(Delenda Carthago) الجشع كان بداية كل شيء



                                                                                                                   written by: Djamel Belgacem 

المشكل اللاهوتي للمتدينين أبناء الأرض الواحدة (الجزائر زمن الإمبراطورية الرومانية) في ذلك الوقت أن تأويلاتهم كانت موزعة على فريقين: أحدهما كان يركز على ما لا يُرَى والآخر على ما يُرَى. فريق كان يرى اضطهاد الإمبراطورية له. يعيش على أطراف حمامات مَسْكُولا (خنشلة) دون أن يلامس البخار جلدته المهترئة من صناديق السيراميك التي كانت تُحمل إلى الساحل لتنقل إلى ميلانو. وآخر يقف أمام تلك النقيشة اللاتينية الموجودة على باب من أبواب تيمقاد:" العبْ واضحكْ واصطد واستحم، هذه هي الحياة"، هل يقصدونني؟ وهل هذا ما علي أن أفعله فوقك أيتها الأرض؟. في المقابل أعلن من لا يريد أن لا يرى:"ادفن كنوزك في السماء حيث لا ديدان هناك". لا كنوز لدي، هل سندفن الفقر هناك؟. هل للفقر ديدانه أيضا؟. هكذا صاحت الحرية والوطنية الدوناتية ذات يوم، صرخة ورثتها الثورة الجزائرية وحققت نبوءة تايكونيوس: الحرية كتعليقات حول نهاية العالم (الكولونيالية أعني مؤقتا)      
تايكونيوس Tichonius Africanus كان أول إفريقي (جزائري) استخدم مقولة "الروحاني" في تأويله للكتاب المقدس. وما كان يقصده بالروحانية هو أن الكتاب المقدس يسعى إلى كشف الأحداث الروحية التي تتخلل العالم بدلا من الوقائع المادية التي ستحدث في المستقبل. لقد كان زملاء تايكونيوس في الحقيقة يعانون من الاضطهاد على أيادي إخوانهم المسيحيين الكاثوليك في شمال إفريقيا (الجزائر، أقصد) ، وهي إحدى علامات "نهاية الزمن"، كما كان يرى.  لكن الكتاب المقدس لا يتعلق بالدمار الذي ينتظر هؤلاء المضطهدين الموقّرين. تايكونيوس كان يرى أن معرفة النصر النهائي للمسيح على المسيح الدجال في "نهاية الازمنة" يكاد يكون لغزا لا يمكن انتزاعه من النص عن طريق التفسير. النداءات النبوية تتحدث عن الموت والدمار "الروحي" الموجود بالفعل في الكنيسة. لقد زعم أن الكتاب المقدس يتحدث عن الواقع الحالي للخطيئة "سر الشر" فيما تفعله الكنيسة في عهده - بدلاً من كارثة أزمات النهاية التي ستكون مرئية للجميع.
تايكونْيوس كان لافتا للنظر عندما رفض الرؤية الطائفية الضيقة للكنيسة، وهو مفهوم دعمه الإسلام عندما خلص أماكن العبادة من الرؤية الإثنية والعرقية والاستيتيقية (لون البشرة)، وجعلها أمكنة روحانية تتجاوز الأصل واللون والعرق والجهة. لطالما أكد تايكونوس مبدأ تقاسم هذه الأماكن بين الطيبين والأشرار في جميع أنحاء العالم. بسبب أنه كان يدعم المعنى الروحاني للحقيقة، أما الطيبة والشر فهما قيمتان تقدران بما نراه ونحكم عليه. يقول تايكونيوس في كتابه القواعد السبعة:" التأويل الذي يعترف صراحة بالمعنى التاريخي للنبوءة دون أن ينتقص من المعنى الروحاني يجب أن يحظى باهتمامنا". البعض يتسائل لماذا تم تهميش هذه النظرية الهرمينوطيقية (التأويلية)  التي اقترح فيها تايكونيوس سبعة مبادئ بدلا من مبدأ واحد. الأمر كما يقولون واضح جدا. تايكونيوس كان لاهوتيا معاصرا لآخرين من أمثال: القديس أثناسيوس (بابا الاسكندرية) وأمبروز الذي عمّد ابن جلدته أوغسطين. الذي كان مندهشا منه ومن رؤاه العالمية، ولطالما استغرب هو ورفقائه الكاثوليك من أبناء إفريقيا (أقصد الجزائر خاصة دون باقي الجهات) عدم انضمام تايكونيوس لحزبهم. ولكن هذا اللاهوتي يرد فيقول:"أنا السيد وأنا العبد، أنا الأسود وأنا الجميل أيضا". كونه دوناتيا كان يعي جيدا ما يقول. إنه ينتمي لكنيسة عدّت هرطقة داخل عالم مسيحي مليء بالشقر والسادة الذي فسروا وبرروا للأباطرة والإقطاعيين والماجنين استغلال الناس في إفريقيا (الجزائر)، التي كانت تسمى "مطمور روما".
علاقة الدين بالجغرافيا علاقة مهمة جدا وإشكالية في الوقت نفسه، في ذلك الوقت. ولعل مقولات تايكونيوس اللاهوتية الدوناتية كانت تدعم الحرية وخلق نوع من الكنسية المحلية التي تحاول أن تتخلص من القراءات اللاهوتية التي تبرر  السياسية الكولونيالية والاقتصادية التي تخدم الإمبراطورية الرومانية أكثر من إفادتها أبناء المطمور. سيره في نفس الخط الذي كان عليه أسقفه دونا أمقران، الذي كان أسقف الأبرشية الدوناتية بقرطاج، وخليفته برمينيانوس اللاهوتي الجزائري، جعل البعض يعتقد أن الأمر كان سببا في تهميش أعماله والتغطية عليها من قبل الكاثوليك الذين لم يستطيعوا في النهاية مقاومة عبقريته الفذة التي ظهرت في أعماله: كتعليقات على نهاية العالم، وكتاب القواعد السبعة الذي أدهش مجموعة كبرى من اللاهوتيين بدأ من معاصره الصغير أوغسطين. إلى أجيال تمتد إلى ألف سنة من الرهبان الكاثوليك الذين نسخوا الكتاب ولخصوه وأدرجوه في مساردهم وفهارسهم المكتبية.
مشكلة تايكونيوس أو غيره من اللاهوتيين والفلاسفة الدوناتيين الجزائريين كبتليانوس (Petilianus): البلاغي والقانوني، أسقف قسنطينة، أو جيدانْتنيوس أسف تيمقاد، أو برْمينيانوس أو دوناتيوس أمقران، أنهم قرئوا عبر المتخيل الكاثوليكي الجزائري. الذي ترجمته أعمال أوغسطين أو أوبتاتوس الميلافي (ميلة). تلك النخبة الأمازيغية التي اصطنعها قسطنطين الأكبر لنفسه لمواجهة ذلك اللاهوت الجزائري المحلي التوحيدي الذي لم يكن يتناسب وطموح الإمبراطورية الرومانية في إبقاء الجزائر وما جاورها كمجرد مطامير توفر للإمبراطورية الزيوت والمراهم والجلود والغذاء للجواري والحسناوات في حمامات الإمبراطورية. لذلك يرى البعض أن :"إعادة بناء الأدب الدوناتي وهيكلته من جديد عبر العودة المباشرة لأعمال هؤلاء، وإقصاء التفسيرات الكاثوليكية التي تراكمت حولها، تعد مسألة بالغة الأهمية في فهم هذا التراث الدوناتي المخالف لاهوتيا وكنسيا ونحويا وتأويليا لنظيره الكاثوليكي".         

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

من فلسفتي: المثلث الأنطولوجي ومرحلتنا الراهنة من تاريخ البشرية.

موسوعة ما بعد الحداثة: مقاربات حول المفاهيم

المسار اللاسلطوي للهرمينوطيقا