من فلسفتي: المثلث الأنطولوجي ومرحلتنا الراهنة من تاريخ البشرية.
بقلم: بلقاسم سعيد مليكش
أولا:
المثلث الأنطولوجي، هو أنطولوجي بمعنى وعي بالوجود كشكل -ومحدد- للوجود، فيكون بذلك
المثلث هو مثلث الوعي الوجودي -البشري بالطبع- بالوجود - الذي هو فيه وبه يعي نفسه
كوجود محايث ومغاير أو متعالي مفارق- ، وليس مثلثا للوجود ذاته.
فبذلك يمكن أن يكون هناك
-مثلا- مربع، مخمس أو مسدس انطولوجيا لـ"كائن" آخر تحدده بنية الكائن في
علاقته مع طبيعة "زمكان" تواجده، أو لنقل يحدده تواجده بطبيعة واعية وشكل
تواجد. وبذلك أيضا يمكن أن يكون لنفس الوجود
أشكالا أنطولوجية أخرى، أو لنفس الأنطولوجية لنفس الكائن احتمالات وجود آخر.
ثانيا:
هو مثلث أنطولوجي لأنه يتكون من ثلاث متواجدات (على صيغة متفاعلات) -وليس موجودات-
أنطولوجية ممكنة تاريخية، وهي الإنسان ، محيطه ( أي وجوده كوجود فيه وبه)، والإله
( أي الموجد للوجود باعتبار أن الوعي به من المتواجد الإنساني يفرض سببا لوجودهما).
إذن:
المثلث الأنطولوجي هو شكل وعي الوجود البشري في تاريخه،
متكون من ثلاث نقط ارتكاز هي: الإنسان الطبيعة والله. وأضلع المثلث عي نقاط الترابط
في شكل للعلاقات بين نقاط الوعي بالوجود البشري، وهو ما يحدد مسار التاريخ البشري بوعيهما.
ففي مرحلة تقديم القرابين البشرية للإله ، كان الإله
هو مركز المثلث الأنطولوجي والطبيعة وسطا للمثلث، أما الإنسان الفرد هامشا له و لأجل
الإنسان المجموع.
ثم في مرحلة ما قبل وعي الإله انطولوجيا ليتواجد ، كانت
الطبيعة هي مركز المثلث الأنطولوجي متماهية ومتعددة في نفس الوقت كاله لم ينفصل عنها.
وفي مرحلة نسميها إبراهيمية، أين تم منع القرابين البشرية
أصبح للإنسان الفرد نفس المرتبة (القيمة ) مع الإنسان الجمعي بالنسبة إلى الإله المركز،
أي نشأ مفهوم الإنسان المجرد الممثل للجميع وليس أحدا منهم. وتلك المرحلة أو لنقل ذلك
الوعي بالمجموع ككائن أنطولوجي منفرد، مهدت للحداثة عبر النزعة الإنسانية، أين أصبح
الإنسان بها ومعها- كـ"إنسان مفهوم" - مركز المثلث الأنطولوجي، ومع الحداثة
أصبح "الفرد في الإنسان بوعيه وعقله" هو مركز الإنسان كمركز للمثلث الأنطولوجي.
فالتاريخ البشري في وجوده
هو تاريخ وعي الإنسان للعلاقات والأولويات بين رؤوس مثلثه الأنطولوجي أن مركزا وهامشا،
أو محايثة ومفارقة بالتماهي أو المغايرة لبعضها البعض، وبالتناهي أو بالإطلاقية.
ولكننا الآن ، نحن نعيش
في مرحلتنا المعاصرة شيئا أخطر مما يتصور، فبعدما كان الإنسان مغترب عن عمله مثلما
قال ماركس، أصبحنا في المرحلة الخطيرة التي هي اغتراب (استلاب) الإنسان عن وعيه بذاته
بحيث انه أتى من خارج المثلث الأنطولوجي شيء اسمه المال -( الذي هو أداة للإنسان في
تواجده، وناتج عمل الإنسان كشيء مصنوع)- وأصبح
هذا المال (كنقد معياري) هو مركز المثلث الأنطولوجي، ولذلك أصبح لا يهتم لا ببيع الإنسان
وأعضائه من أجل الربح بعد مرحلة اعتباره انطولوجيا كشيء، ولا بهدم الطبيعة وانقراض
الحيوانات بعد هامشيتها الأنطولوجية، ولا بقتل الإله والتجارة بالأديان والمعارف -بعد
نفي الميتافيزيقا- كشكل من أشكال تدنيس الوعي ذاته وتسليعه (شهرة وغلاء ستار أكاديمي،
كرة القدم وأشباهها).
وهنا في هذا المقام، يمكن
إلى التنبيه للمرحلة بشكل آخر بحيث انطفأ اللوغوس مفارقا ومتعاليا كغاية، وانكفأ إلى
أداة محايثا ومتماهيا، وتم الاستعلاء من طرف الباتوس كمدخل للإيتوس عن طريق الإيروس
والميتوس والتتانوس في الأخير . فالمثلث الأنطولوجي له علاقة وطيدة بالمسدس الإبستمولوجي
أولا، ثم بالمضلعات الأكسولوجية والإستطيقية. وهذه المضلعات كلها تكون المضلع الميتا-إنساني
الأوسع.
إننا في مرحلة مركزية
المصنوعات والمستهلكات وجوديا باسم مركزية الإنسان. مرحلة أين جدلية العبد والسيد لهيجل
بين إنسانين، أصبحت بلا معنى وتحولت جدليا إلى عبودية الفرد للمال كوثن أنطولوجي. إننا
في أنطولوجية واحدية القيمة والوعي في جهازها الأنطولوجي. ولذلك أثر على المضلعات الوجودية
الأخرى الابستمولوجية والأكسيولوجية والإستطيقية والهرمنوطيقية.
وفي الأخير:
ومع تطورات الشبكات الاجتماعية
كتقنية في الوعي الجمعي في تشكله، تركيبته وبنيته، ومع تطورات علم الوراثة كتقنية في
"البيوس" البشري والإنساني، فالمرحلة الأخيرة الموالية من المثلث الأنطولوجي
هي اغتراب الإنسان عن ذاته كلية، ونشأة الأشكال الجديدة والممكنة الأخرى للمضلعات الأنطولوجية
المتعددة والتقنية.

Commentaires
Enregistrer un commentaire