موسوعة ما بعد الحداثة: مقاربات حول المفاهيم
ترجمة جمال بلقاسم
الغياب Absence
الغياب هو الحرمان الـذي يعطل ويرجئ الحضور، ولطالما كان الفكر الغربي التقليدي، وصورته التي اكتمل عليها حديثا يتضمنان ميتافيزيقا الحضور، وتعد وظائف "الغياب" ذات أهمية
بالغة داخل المناقشات ما بعد الحداثية المرتبطة بالفكر الغربي. "الحقيقة
الأولى"داخل ميتافيزيقا الحضور تعادل "الكينونة"، والكينونة تعادل
"الحضور": فأن تكون موجودا حقا، هو أن تكون برمتك حاضرا. هذا الربط بين
الحقيقة الأولى والحضور الأنطولوجي (الوجود الذي يستمر بالتطور) يكشفان عن التصورات القديمة والحديثة لله
(مصدر كل الحقائق التي تعد حضورا كليا للكينونة) والذات الإنسانية (الحقيقة التي
سيكون من خلالها تحقق الفكر والهوية داخل
حضور ذاتي عقلاني) والمعنى داخل اللغة (الحقيقة التي سيكون مبتغى الحركة الدلالية
عبرها حضور الدال).
ما قام به مارتن هايدگر حين أعاد تعريف
الحقيقة الأنطولوجية كحركة تفاضلية للكشف (البَداَء)، جعل مفكري ما بعد الحداثة يتحرون عن
الطرق التي من خلالها يكون أي حضور يعتمد في تجليه على إخفاء شيء من الغياب، ولأن
تجلي الحضور حركةٌ تفاضلية، فإنه لا يكون ممكنا إلا في وجود الغياب: حاجة الغياب
للحضور ترفض أن يكون هذا الحضور تاما وأصيلا. وهو ما جعل مفكري ما بعد الحداثة
المهتمين بصور الغياب يبطلون ميتافيزيقا الحضور، وهذا الإبطال هو ما يشكل جوهر
المقاربات ما بعد الحداثية كموت الله، ونقد الذاتية، وتفكيك
اللغة.
إذا كان الحضور التام للكينونة، وهو ما كان يدرك
على أنه الله، يفهم كمَعين للمصدر الأول للحقيقة أو المعنى، فإن ما بعد الحداثة
تواجه أزمة تتعلق بهما، وقد ورثت، من عند فريدريك نيتشه Friedrich Nietzsche خاصة، إحساسا عميقا بغياب الله. ردا على هذه الأزمة
صاغ مفكرون مختلفون كجون لوك ماريو Jean-Luc Marion ومارك تايلور Mark C. Taylor دلالة لاهوتية ودينية لغياب ربما يكون من خلاله الله
أو المقدس ظاهرا بطريقة محجوبة.
بالطريقة نفسها استحضر مفكرو ما بعد الحداثة
الغيابَ لنقد مساعي الحداثة في محاولتها لتأصيل الحقيقة داخل حضور ذاتي عقلاني
لذات متماثلة ذاتيا. من لاشيئية الوجود الميت لهايدگر إلى اللاوعي الجذري
للذات المتشظية (المتجزأة) لجاك لاكان Lacan Jacques إلى الأثر
المرتبط بالآخر داخل فينومينولوجيا إيمانويل ليفيناس Emmanuel Levinas للنفس الملزمة أخلاقيا، صاغ مفكرو ما بعد الحداثة
أشكالا للغياب لمطاردة الذات التي تمتلك هوية ذاتية وحاضرة حضورا ذاتيا.
اللغة والتمثيل
يعدان أمرين مهمين في أغلب المقاربات ما بعد الحداثية للغياب، ويعد جاك دريدا Jacques Derrida مثالا جيدا هنا، حيث يرى أن الغياب أساس اشتغال
العلامات اللسانية، ورفضا منه للنظرة التي ترى أن العلامات تؤمّن المعنى إلى درجة
أنها تمثل حضورا لبعض الدوال التي تتعالى على حركة الدلالة، يرى دريدا أن غياب مثل
هذه "الدوال المتعالية" ضروري للحركة ذاتها المرتبطة بالعلامات:
العلامات لا تدلّ إلى داخل علاقة تفاضلية فيما بينها، وهكذا فقط لا يمكن الوصول إلى
حضور تام لدال خارج اللغة.
أشكال الغياب التي تؤشر الفهم ما بعد الحداثي للغة
والتمثيل المرتبطين بالكينونة والله والذات، تعد أشكال محورية أيضا داخل الأدب
والنقد والفن والعمارة ما بعد الحداثية (على سبيل المثال، إدموند جايبس Edmond Jabes ، موريس بلونشو Maurice Blanchot، أنسيلم كيفير Anselm Kiefer ، بيتر أيسنمان Peter Eisenmann).

Commentaires
Enregistrer un commentaire