المسار اللاسلطوي للهرمينوطيقا


                       
                                    ترجمة: جمال بلقاسم
بعض المؤرخين يرون أن ابتداع الهرمينوطيقا الفلسفية تم في القرن السابع عشر (17م) أين أدخل جوهان دانووَر (Johann Dannhauer) لأول مرة الكلمة اللاتينية "Hermeneutica" كحاجة اصطلاحية ملحة لتلك العلوم التي تهتم بتأويل النصوص. مزاعم أخرى ترى أن الهرمينوطيقا تأسست قبل قرنين من ذلك من قبل فلاشيوس (Flacius) في نصه: مفتاح الكتاب المقدس (Clavis scripturae sacrae). أو قبل قرون من ذلك عبر آرسطو في رسالته: التأويل (De interpretatione). عدم معرفة أصل وتاريخ الهرمينوطيقا، يثير شكوكا حول وجود تطور موحد لهذه الفلسفة، كما يشير أيضا إلى المسار الفوضوي لنظامها، بمعنى تعارض الهرمينوطيقا مع المعارف السننيّة المؤسسة تاريخيا. ولكن واحدا من الاتفاقات القليلة التي نعثر عليها داخل التوصفيات التاريخية للهرمينوطيقا يركز على الممارسة العملية لها، مقارنة بالالتزامات المحافظة التي تؤسس الفلسفات الوصفية.
هذه الممارسة العملية تحيل مباشرة على أصل الحقل المضمن في شخص هيرماس (Hermes) (الذي يدل اسمه على أقدامه المجنحة)، رسول الآلهة المشهور بسرعته وقوته البدنية ورشاقته، الذي مارس أنشطة عملية في تسليم إعلانات وتحذيرات ونبوءات آلهة الأولمبيا. لهذا مُثلت الهرمينوطيقا في أيون لأفلاطون (534 ق م) والمأدبة (202 ق م) كنظرية للتلقي و"كممارسة في الإرسال والوساطة على حد سواء"([1]): هيرماس يجب عليه أن ينقل ما هو مستعص على الفهم في صورة يمكن للذكاء البشري أن يستوعبها. إلا أن هيرماس غالبا ما تم إدانته باللصوصية والغش وحتى الفوضى، لأن الرسائل لم تكن أبدا دقيقة؛ بعبارة أخرى، تأويلاته كانت دائما تحرف المعاني الأصلية. إبدال المعنى كان هو المساهمة الحقيقة للتأويل؛ خلافا للأوصاف (التي تتبع مثالية التفسير الشامل) يضيف التأويل حيوية للمعنى. لهذا السبب رأى دلتاي (وهو أول من اقتفى بشكل منهجي تاريخ الهرمينوطيقا) في هذا الجوهر الحيوي للهرمينوطيقا أسبقية التأويل على البحث العلمي والنقد النظري والإنشاء الأدبي.    
يمكننا أن نعثر على نماذج من الإبدال الهرمينوطيقي للمعنى داخل التاريخ المرتبط بهذه الفلسفة (في أعمال أوريجان وأغسطين وشلايمخر) إلا أننا سنركز على ثلاثة مفكرين من قرون مختلفة، لأن المسار اللاسلطوي (الأناركي) للمشروع السياسي للتأويل يبدو واضحا في أعمالهم: مارتن لوثر في القرن الخامس عشر (في المجال الديني)، سيـﮕـموند فرويد في القرن التاسع عشر (داخل علم النفس)، وتوماس كوهن (Thomas Kuhn) في القرن العشرين (في مجال العلم).
العملية الهرمينوطيقة لدى لوثر كانت موجهة مباشرة ضد هيمنة المؤسسة الكنسية الكاثوليكية القضائية، التي ادعت بأنها هي التأويل الوحيد والصحيح للكتاب المقدس. أطروحاته الخمس والتسعون (1517م) وترجمته للكتاب المقدس إلى الألمانية (1534م) أشياء حفزت ظهور ثورات عامة ضد البابوية، لأنه حتى ذلك الحين كان النظام الإكليروسي يجبر كل مؤمن بالعودة إلى مسؤوله للقراءة والتأويل والإبانة عن مضمون النص. ضد هذه الهيمنة الروحية والثقافية والسياسية فضل لوثر أن يتبنى اعتقادا مفاده أن المعنى الحرفي للكتاب المقدس له دلالته الروحية الخاصة به، التي يجب على كل مؤمن أن يؤولها: الكتاب المقدس يؤول نفسه بنفسه([2]). ولتأكيد هذا الأمر أعطى لوثر أولوية للنص اللساني ولفعله اللغوي وقدرة المؤول على إصدار الأحكام، وكما قال لوثر:"النص لن يكون مفهوما ما لم يجلب إلى البيت، أي ما لم يكن ممارسا"([3]). وبالتالي فالتأويل لا يجب أن يفرض من فوق بل يجب أن يكون من الداخل. التأويل كما سنرى عند هيدﮔـر يعد جزء من الوجود، لأننا بجلب حيوية جديدة إلى النص (كما كان الحال مع هيرماس حين كان يبدل المعنى الأصلي) ندعم الإيمان الخاص بكل مؤول.
لهذه الأسباب قرر لوثر أن يترجم الكتاب المقدس، الترجمة التي كانت سببا في إحداث عملية سياسية تطورية عبر الهرمينوطيقا، أي عبر الطبيعة الحيوية التي تميز التأويل. حَوَّلَهُ من كتاب أجنبي إلى لساني أجنبي ليسهل الوصول إلى معانيه، إلا أن ذلك لم يتحقق إلا عبر جعل الكتاب المقدس وثيقة مفتوحة على تأويلات جميع الناس بدلا من كون تلك التأويلات سلطة مفروضة من أعلى. بعد هذه الترجمة (التي اتبعت بترجمات أخرى بروتستانتية في فرنسا وهولندا وانــﮔلترا) لم يكن الكتاب المقدس ليقرأ دون إذن من الكنيسة الكاثوليكية. الأثر الذي تركه لوثر في المجتمع الألماني جعل هيــﮔل يؤكد أن لوثر: إذا كان لم يفعل أي شيء بهذه الترجمة، فإنه لا يزال من أعظم المحسنين على الجنس الناطق بالألمانية. ورغم أن تقاليد الكنيسة لا يجب أن توضع جانبا، لأنها تعد أثر من آثار التاريخ المرتبط بهذا الكتاب، فإن لوثر يجب أن يفهم كفعل سياسي، بمعنى أنه أول من حرم الأسقف الروماني من بسط سلطته المطلقة على الكتاب المقدس، عبر جعل كل فرد يعي حقه في تأويل النص من أجله هو كمؤمن. وعليه فلوثر لم يدافع فقط عن حق الضعفاء في التأويل ولكنه مارس أيضا الخاصية الفوضوية للتأويل.
إذا كانت هرمينوطيقا لوثر قد بدأت كرفض للسلطة الإكليروسية، فإن الثورة السيكولوجية الفرويدية كانت ضد الحقائق المفروضة من قبل الثقافة العلمية الوضعانية في القرن العشرين. أحد الأهداف الرئيسية لفرويد كانت مناقشة النظرية التجريبية للعلم الحديث. التي صورت العقل البشري كلوح فارغ يمكن نقش الانطباعات فوقه، ودون هذا اللوح لن تكون تلك الانطباعات ممكنة. هذا الفهم العلمي للعقل تتقاسمه أيضا فلسفة ديكارت التي تفترض بعض القيم الأخلاقية التي تم إيجادها لإحداث ترابط داخل العالم الاجتماعي الذي يسكنه هذا العقل؛ بعبارة أخرى، الموضوعية غُلِّبت على الذاتية، هذه الأخيرة التي اعتبرت مجرد مرآة للطبيعة. ضد هذه المعتقدات المشاعة داخل العلم الحديث اقترح فرويد فكرة مفادها أن أفكارنا مُحَفَّزَة، ليس عبر ميكانيزمات منطقية وعقلية خالصة، بل عبر قوى ودوافع غير معروفة، متصارعة داخل العقل الواعي والعقل اللاواعي. لهذه الأسباب رأى فرويد أن أشياء مألوفة من اللاعقلانية مثل الوهم الذاتي، الكآبة، الازدواجية، أو حتى ضعف الإرادة، كلها استشكالات مرتبطة في النموذج الديكارتي بالوعي الوحدوي الخفي. أما في النموذج الفرويدي فأصبحت خصائص طبيعية في البشر. فرويد انتهك بشكل فوضوي الحدود الفاصلة بين العقلاني/الطبيعي واللاعقلاني/اللاطبيعي عند الإنسان.       
فرويد لم يضع حدودا لاستكشاف عادية ما هو غير عادي، الذي أنتج تقدما عظيما للحضارة. ولكنه أكد أيضا أن العلاقة المتبادلة بشكل دينامي بين العادي وغير العادي هي نفسها العلاقة المتبادلة بين الإنسان ومجتمعه. داخل هذا التركيب تظهر المشاكل جراء الغرائز المقموعة (المفروضة أولا من المجتمع) أو من حتميات اللاوعي (الموت أو الدوافع الجنسية المتدفقة من داخله) أو من تأويلاته الموضوعية، بعبارة أخرى من السيكولوجيات الوضعانية للزمن. هذه السيكولوجيات تعتقد أن المريض يعاني فقط بسبب جهل موضوعي، بطريقة أخرى، بسبب فقدان المعلومات الكافية عن حياته. إذا كان هذا صحيحا فعلا، فإن الوصف الأفضل لحلم المريض يمكن أن يكون كافيا لعلاجه. ولكن العقل يتضمن عناصر لاوعية، وتبعا لهذا الظرف فإن التأويل يحتاج إلى إخبار المريض عن تلك الذكريات التي قمعها، لذا فالتأويل هو المقارنة الوحيدة المتوفرة للعقل الإنساني ولتلك العوامل غير الواعية وغير الموضوعية التي تظهر أن العقل لا يمكن أن يكون مجرد لوح فارغ. وضد النمط التقليدي في تأويل الأحلام كرموز ثابتة، طبق فرويد فكرة "الربط الذهني الحر" وهو ما يجبر المريض (وليس المترجم) على ذكر الأفكار الخفية أو المنسية. التحرر الذي أحدثه فرويد عبر التأكيد على العملية الذهنية اللاواعية، وتحليل النفس البشرية من خلال ممارسة التأويل أثار شكوكا عميقة حول الشكل الموضوعي للعقلانية البشرية. 
تشكيل موقف ضد السيكولوجيات العقلانية للزمن توج أيضا بنشر فرويد لعمله "تأويل الأحلام" عام 1900، الذي مكن من إدراك الأحلام "كطريق ملكي إلى معرفة العقل الباطن"([4])، وبالتالي لا يمكن للوسيط الواعي، الانعكاسي أن يكون مفروضا على هذه الأحلام. هذه الطريق التي لا يمكن للسيكولوجيات الوضعانية أن تسلكها لأنها حدت نفسها في الحاضر، تعابير مستدعاة بشكل واع للحلم. رغم أن فرويد لم يتم ذكره داخل التواريخ المرتبطة بالهرمينوطيقا، فإن مشروعه كان فعلا تطورا وراديكالية للهرمينوطيقيات السيكولوجية لشلايرمخر (Schleiermacher) ودلتاي (Dilthey) الذي شكك في أن مؤلف العمل يمكنه أن ينشأ معناه إذا اطلع على كل التقنيات المستعملة في إنتاج المعنى([5]). ومثلما أن التشكيل التام لحياة المريض لا يحل مشاكله بالضرورة، فإنه لا يمكن لتاريخ إنتاج العمل الفني أن يفسر المعنى. وكما أشار هبرماس فإن فرويد قد تجاوز فن التأويل، لذلك فإن نظامه التحليلي يجب أن يدرك "ليس فقط كبحث عن المعنى الممكن للنص المشوه، بل أيضا عن معنى تشويه النص في حد ذاته"([6]).      
مؤلف آخر سلك المسار اللاسلطوي للتأويل لتحرير مجال بحثه من الموضوعية، إنه طوماس كوهن. ولكن خلافا للوثر وفرويد اللذين لم يُعَرَّف عملها على أنه هرمينوطيقا، فإننا نعثر في السيرة الذاتية لكوهن على تأثير فلسفة التأويل على وجهة نظره الإبداعية فيما يتعلق بالثورات العلمية. لهذا السبب رأى ريتشارد ج. برنشتاين في كوهن واحدا من النماذج الأولى "التي اكتشفت البعد الهرمينوطيقي للعلم"([7])، أي طبيعته الهرمينوطيقية.
عندما نشر العالم الأمريكي كتابه: بنية الثورات العلمية في عام 1962 فإن هيمنة التجريبية المنطقية على فلسفة العلوم لم تكن أمرا إشكاليا. الإبداع العلمي يمكنه أن يتحقق فقط عبر تراكم المعرفة كمجاورة للحقيقة دون الاستعانة بأية نظرية سابقة. ولكن هذا الاتجاه المعياري الذي يفترض الحقيقة كمقياس عام للتطور العلمي لم يكذّب فقط تاريخ العلم بل اعتبره عديم الفائدة أيضا، لأنه يشير فقط إلى الأخطاء السابقة. التجريبية المنطقية ترى في هذه التحولات التاريخية مجرد تفسير للتقدم المطرد نحو علم أفضل. غير أن كوهن رأى في هذه الفكرة تأكيدا على أن العلم ليس مطردا بل هو تحولات تحدث عبر مراحل مختلفة. ولكن داخل هذه التحولات لم تصنع العلوم تقدما نحو الحقيقة؛ بعبارة أخرى، النظريات القديمة أصبحت مختلفة بدلا من كونها غير صحيحة. كوهن فسر هذه العلاقة بالنظريات العلمية السابقة عبر فكرته التي سماها "اللاقياسية" التي تقاسمها مع فياربند (Feyerabend): العلوم منقادة بواسطة براديكمات مختلفة لا تتقاسم نفس المعايير، لأن معايير التقويم خاضعة هي الأخرى لمبدأ التحول. وبالتالي ففكرة اللاقياسية تعد تأويلا. وإذا لم يكن الأمر كما قلنا، فإن العلوم القديمة والوسيطة والمعاصرة تستنتج نفس النتائج عندما تشاهد القمر. كل عصر يحدث تقدمه العلمي الخاص به عبر براديكمات لاقياسة مختلفة.
التطور العلمي لدى كوهن كان مجرد تبادلات بين ما أسماه المراحل المعيارية والتطورية والفائقة للعلم. فبينما يعد العلم المعياري مثل حل أحجية ، حيث يعتمد النجاح فيه على إتباع المعايير بصرامة، فإن العلم التطوري يتضمن مراجعة وتنقيح هذه الاعتقادات والمناهج، وهذا ما يفصله عن العلم المعياري ويحول العلم إلى مرحلته الفائقة. هذا الانفصال (أو الثورة) يبدأ عندما نتجاوز البراديكم المهمين، ونأزّم الانجازات العلمية المعترف بها عالميا، والتي ظلت لوقت طويل توفر نماذج من المناهج والمشكلات والحلول للجماعة العلمية. هذه الأزمات تصبح جلية عندما تقاوم الأشياء الشاذة والمتناقضة الحلول المتوقعة من قبل العلوم المعيارية. ضمن هذه الظروف فإن البراديكم الذي يوجه العلم المعياري يصبح براديكما قابلا للنقد والمسائلة، وعند ظهور براديكم منافس فإن العلم الفائق سيظهر. إلا أن كوهن لا يرى هذا البراديكم المنافس كمجرد استبدال لآخر سابق عليه، لأنه في المقام الأول سيسمح فقط بتحقيق بعض التطورات التي يجب أن تظل مقبولة لدى الجماعة العلمية، كوهن يسمي هذه المرحلة بما "قبل البراديكم"، بمعنى نوع من البراديكمات التي لم تحظى بوفاق العلم المعياري السابق. ولكن عندما تبدأ فئة واسعة من أعضاء جماعة علمية بقبول البراديكم الجديد فإن التطور الجماعي سيكون أمرا ممكنا، ويجعل العلم جاهزا لحلول أحجية جديدة.
الخلاصة التي نستشفها من الحدسيات الهرمينوطيقية الكوهينية هي خلاصة مضاعفة: الحقيقة ليس هي الشكل الوحيد الذي يسيّر التقدم العلمي، والمعرفة العلمية لا تتغير من خلال المواجهة مع الوقائع الصلبة بل من خلال العداء الاجتماعي بين التأويلات المتبارية، والمرتبطة بالجماعات العلمية. ثورة لوثر ضد سلطة الأساقفة الرومان وتفكيك فرويد للسيكولوجيا العقلانية التقليدية المشكلة للعقل البشري أمرا لا يختلف كثيرا عن محاولة كوهن تجاوز سيادة التجريبية المنطقية على التطور اللاخطي للعلم. هذه المحاولات الثلاث لم تكن فوضوية فقط لمقاومة الاصطلاحات والبنيات والمبادئ بل كانت أيضا هرمينوطيقية، لأنها فرضت إمكانية حق التأويل بشكل مختلف. وامتلاك هذا الحق في التأويل بشكل مختلف هو ما جعل الضعفاء يظهرون بشكل سياسي كحملة الانتعاشة الجدد. وبينما تحدت هذه الانتعاشة الجديدة المعايير المحافظة للفلسفات الوصفية فإنها كانت مشروعا عرف كل من نيتشه وهيدﮔـر عبره جوهر الكائن البشري. 


[1] - M. Ferraris, History of Hermeneutics, trans. L. Somigli (Englewood Cliffs, NJ.: Humanities Press, 1996), 4.
[2]- Ferraris, History of Hermeneutics, 28.
[3]- M. Luther, Dr: Martin Luthers Tischreden (1531-1546) (Weimar: Hermann Bohlaus, 1914), 3:170.
[4] - S. Freud, The Interpretation of Dreams, trans. James Strachey (New York: Basic Books, 2010), 604.
-[5]  يجب أن نشير أن فيراري قد أشار في صفحات من كتابه "تاريخ الهرمينوطيقا" إلى الهرمينوطيقا الفرويدية، ص 39-134.
[6] - J. Habermas, Knowledge and Human Interest, trans. Shapiro (Boston: Beacon Press, 1971), 220.
[7] - R. J. Bernstein, Beyond Objectivism and Relativism: Sciences, Hermeneutics, and Praxis (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1983), 31.

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

من فلسفتي: المثلث الأنطولوجي ومرحلتنا الراهنة من تاريخ البشرية.

موسوعة ما بعد الحداثة: مقاربات حول المفاهيم