لماذا نعيد كتابة التاريخ في كل مرة؟.

كتبه: جمال بلقاسم
عودة المكبوت   
لماذا نعيد كتابة التاريخ في كل مرة؟.       
  
                                    
الزمن لا يمكن أن نتقاسمه. كيف للحظة ما في الماضي أن تدّعي بأنها صالحة لكل الأوقات؟. أو بعبارة أخرى كيف يمكن للماضي أن يعود مجددا ويدعي بأنه هو الجديد داخل حاضر ما؟. كيف يمكنه أن يكون جديدا إلى درجة أننا نحن أنفسنا نصف هذه اللحظة بأنها زمننا الذي نرغب أن نعيشه ونحيا فيه؟. "اللغة تساعدنا دائما على استحضار الأرواح (التاريخ مثلا)". كما يقترح البعض.  الكلمات توفر إمكانية كتابة التاريخ في كل مرة، والكلمة لن تكون كلمة ما لم يكن التكرار إمكانية كامنة فيها. عندما تدرج النصوص داخل سياقات جديدة (بدائل معادة) فإنها تنتج باستمرار معاني جديدة قد تكون مختلفة أو متشابهة مع فهم سابق. ولكن ما الذي يستلزمه هذا ؟. كل علامة أو نص أو كلمة لن تكون ممكنة ما لم يكن التكرار إمكانية لها؛ ما يصنع عجينة الكلمات لن يكون حاضرا بشكل كامل لها. هذا الضياع الأزلي لهذه المكونات التي تعطي النكهة الأصيلة لهذه العجينة يسمى "الانتشار" (dissémination). أريد أن أخبرك بأن التواصل لن يكون أبدا فضاء موحّدا لأن أفاقه تتنصل من عناصره غير الحاضرة كليا لمشكّلاته. يمكننا أن نشير أيضا إلى مصطلح "المعاودة" (Iterability) التي تعني قدرة العلامة أو النص أو الكلمات على تكرار نفسها في وضعيات جديدة أخرى. وهو ما يجعلها مطعّمة بمعاني جديدة في سياقات مختلفة. فأي "سياق لا يمتلئ دائما بشكل نهائي". لأن كل علامة"سواء كانت لسانية أو غير لسانية، ملفوظة أو مكتوبة، وحدة كبيرة أو صغيرة، تقبل دائما أن تكون مقتبسة، وأن توضع بين علامتي تنصيص. وبالتالي كل علامة تحدث خصومة مع سياق معين لإحداث سياقات جديدة وداخل أنماط لا تشبع أبدا. ربما يفترض بالعلامة أن تكون صحيحة خارج سياقها، ولكن على عكس ذلك، هناك سياقات ليس لها رصيف ترسو عليه بشكل مطلق". لماذا نعيد كتابة التاريخ في كل مرة؟.

سأعيد السؤال السابق: كيف يمكن للحظة في الماضي أن تعود إلينا وتدعي بأنـها هي الجديد؟، إلى درجة أننا نحن أنفسنا من يصف هذه اللحظة بأنها زمننا الذي نريد أن نعيشه. تلك اللحظة التّاريخية المقموعة والمكبوتة في تراثنا، تريد العودة إلينا لتتيح لنا فرصة لم يقدمها الحاضر، إنها فرصة التّنوع والتعدد في النظر إلى المشكلات الحضارية. "لا يمكننا أن نتقاسم الزمن"، كما صرح الفلاسفة. هل لدينا تمركز حول الشبحية (Spectrality)؟. أريد أن أزعم أننا لا نمتلك تزامنية مع الراهن فيما نقترحه من نقد حضاري لمشكلاتنا. نحن نمتلك علاقة الوريث بشبح الأب. يحاول البعض أن يشرح هذه العلاقة من ناحية وجودية عبر فعل الكينونة "أكون أو لا أكون"، في الإشارة إلى مسألة تعلّم العيش أو صناعة الحاضر بما يليق بالطموح والأمل اللذين نصبوا إليهما حضاريا. هذه العلاقة عليها أن تتصالح مع الموت، وهذا بدوره ينطوي على التّصالح مع ما هو شبحي. الشبح يكون ولا يكون في الوقت نفسه، بالتالي تعلم العيش (أو صناعة الراهن أو الحضارة...) يحتم علينا تجاوز السيمائية الجدلية المرتبطة بالوجود "أكون أو لا أكون"، أو الحياة والموت. الحياة هدية والموت هدية أخرى أيضا. والإنسان لا يمكنه أن لا يكون باستمرار خاصة إذا كان على قيد الحياة.


البعض يرى أن الوضع الثّوري الفعلي ليس في عودة المكبوت أو المقموع (التاريخ مثلا). بل إن المكبوت أو العرض (Symptom) بلغة التحليل النفسي كان مجرد حالة فاشلة في الماضي، وضعا منسيّا، مستثنى من الإطار التاريخي الذي كان سائدا. ما هو مهمّ هو الوضع الثوري الذي يمثل محاولة "الكشف" و"التخلص" من الأعراض (ما كبت وقمع). والوصول إلى مقاربات سريرية لجعل الحاضر يتعافى من المكبوت. التاريخ لن يحقّق ذاته بل سيحسن فقط تكرارها، وهذا ما يفعله كل مكبوت. يمكننا بالتالي أن نطبّع مع من يقول: تُحَقِّقُ الثورة "قفزة النمر إلى الماضي"، ليس لأنها تبحث عن دعم لها في هذا الماضي، بل لأن الماضي (المكبوت) الذي يعيد نفسه في الثورة (صناعة الحاضر) "يأتي من المستقبل"، مثل الولادة فهي شيء سيأتي من الغد وليس من الماضي. من أين سيعود المكبوت؟. الإجابة عن هذا السؤال إجابة مناقضة لما نتخيّله، "إنه يعود من الغد". العَرَض (أو المكبوت) أثر لا معنى له، لم يتم اكتشافه أو استخراجه من عمق الماضي الخفيّ، بل تم بناءه بشكل رجعيّ. أي أن الكتابة عبر تحليلاتها هي من ستستنتج حقيقة ومعنى هذا المكبوت، بطريقة أخرى الدّلالة هي التي ستمنح العرض (التاريخ مثلا) مكانه الرمزي ومعناه. ما الذي أريد قوله؟. هل كتابة التاريخ تأويل لمكبوت موجود في الماضي؟، أم هي جزء من الكبت التي يشكل عودة التاريخ في كل مرة؟. كتابة التاريخ جزء من العثور على الطريق الذي سيعود المكبوت عبره لمجتمعه.  


Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

من فلسفتي: المثلث الأنطولوجي ومرحلتنا الراهنة من تاريخ البشرية.

موسوعة ما بعد الحداثة: مقاربات حول المفاهيم

المسار اللاسلطوي للهرمينوطيقا