ترجمات: القليل من اللاهوت
إنسان العقل لا يؤمن بشيء
سوى العقل البشري. إنه لا يعتبره هدية جميلة، بل يراه مطلقا متعاليا. يعتقد هذا
الإنسان أنه يمتلك في ذاته معنى العالم والحياة التي يعيشها. ويعكس مظهر النظام والكفاءة
فردا منظما بشكل جيد داخل العالم والتاريخ. لذلك يؤمن بالتقدم. ويرى أن رجال اليوم قد يكونون أفضل حالاً
من رجال الماضي، يفعل ذلك وهو يعتقد أن رجل
اليوم أعلى من كونفوشيوس أو سقراط أو الأنبياء.
بسبب تطويره لقدرات تقنية بالغة التعقيد. إنسان العقل يعتقد أن الأرض أعطيت للرجال
للاستغلال. عدوه الأكثر رعبا هو الموت. يتجنب التفكير في حياته ونشاطه على أنهما شيئان عرضيان وزائلان، وعندما
لا يستطيع تجنب فكرة الموت، فإنه يعارض هذه الفكرة بمضاعفة طاقاته ويبحث عن ملاذ في
النشاط الاستحواذي: للممتلكات، وللمعرفة، وللقوانين، وللتحكم العقلاني في العالم. إيمانه
بالخلود هو الإيمان بهذا التقدم؛ لأنه حلقة فاعلة في سلسلة التقدم الأبدي، فهو يعتقد
أنه محمي تمامًا من الإبادة.
يميل إنسان العقل أحياناً
إلى كراهية رجل الدين الذي لا يؤمن بهذا التقدم
، ويعيق تحقيق المثل العاقلة. على المرء أن يتذكر فقط تعصب الثوار أو تعبيرات نفاد
الصبر الأكثر عنفاً التي صدرت عن المؤلفين التقدميين والديمقراطيين والعقلانيين والاشتراكيين
ضد من كفروا بهم.
يبدو إنسان العقل أكثر
ثقة بإيمانه في الحياة اليومية من الرجل المتدين. باسم عقله الإله، يشعر بأن له مبررات
في إعطاء الأوامر، وممارسة التنظيم والسلطة على أخيه الإنسان، ويعتقد ببساطة أنه مانح
لنعم كالنظافة، الأخلاق، الديمقراطية،... إلخ.
يسعى إنسان العقل إلى
السلطة لتكملة إنجازه المسمى:"الخير". خطره الأكبر يكمن هنا. في السعي إلى
السلطة، في إساءة استخدامها، في حبه إعطاء الأوامر، في ممارسة الإرهاب. إن تروتسكي،
الذي يجد أنه لا يطاق على الإطلاق أن يرى فلاحاً يتعرض للضرب، يسمح بارتكاب مئات الآلاف
من جرائم الذبح دون تردد، من أجل فكرته.
إنسان العقل يقع في حب
الأنظمة. وبما أن هؤلاء الرجال العقلين يبحثون دائما عن السلطة ويكسبونها، فإنهم لا
يستطيعون فقط أن يحتقروا ويكرهوا رجل الدين، بل يستطيعون اضطهاده، وتقديم دعاوى ضده،
ويمكنهم قتله. فهم يتحملون مسؤولية الاحتفاظ بالسلطة وتطبيقها "من أجل الخير". وجميع
الوسائل لتحقيق هذه الغاية مبررة، بما في ذلك البنادق. يمكن لإنسان العقل في بعض الأحيان
أن يقع في اليأس حين رؤيته لما يدعوه بالغباء بأنه شيء لم يتخلص منه العالم بعد. في
بعض الأحيان يجد صعوبة في تحمل حقيقة أنه يجب عليه أن يقاضي ويعاقب ويقتل. إن
لحظاته المتسامية هي تلك التي يشعر فيها بقوة بالإيمان حينما يقر بأن العقل مع الروح
خلقا العالم ويحكمانه.
إنسان العقل يحاول عقلنة
العالم ويواجهه بالعنف. يميل دائما إلى جدية قاتمة. إنه معلم. ويميل باستمرار إلى
عدم الثقة في غرائزه. يشعر دائمًا بعدم اليقين في وجه الطبيعة والفن. في بعض الأحيان
ينظر إليهما بازدراء، وأحيانًا يبالغ في تقديرهما بشكل كبير. هو الذي يدفع الملايين
لشراء الروائع والتحف القديمة، أو يقيم أقفاصا للطيور والحيوانات البرية والهنود.
إن الأساس الذي يقوم
عليه إيمان رجل الدين هو تقديس الحياة وتقديرها. وهذا يعبر عن نفسه في خاصيتين رئيسيتين:
إحساس قوي بالطبيعة وإيمان بنظام عالمي متنافر. رجل
الدين يقدّر العقل، كهدية ثمينة، لكنه لا يرى فيه وسيلة كافية لفهم العالم، ولا يرى فيه الكفاءة المثلى التي تمكن الإنسان من السيطرة عليه ".
المصدر:
hermann hesse, from_my belief: essays on life and art_. a bit of theology

Commentaires
Enregistrer un commentaire