الهرمينوطيقا: كيف يمكنك أن تطارد الميتافيزيقا
ترجمه جمال بلقاسم
الهرمينوطيقا ضمن هذه النسخة الجذرية التي نقدمها هنا ليست نظرية
ميتافيزيقية – تدعي وصف بنية مستقرة للكينونة، يمكن للفكر أن يعثر عليها داخل نوع
معين من أنواع التحليل الأفلاطوني - بل هي نظرية ذات موتيفات تاريخية عرضية تحاول
ادعاء صلاحية معقولة.
العدمية التي ناقشها نيتشه تعد نتاجا للتاريخ، التاريخ نفسه للميتافيزيقا
الغربية التي استأنف القول عليها في نصه الشهير:"أفول الأصنام"،
عندما قال: "كيف أصبح العالم الحقيقي أسطورة؟"([1]). ليس من الضروري أن نؤكد هنا أن الميتافيزيقا التي
احتلت مكانا لها داخل التاريخ ليست "واقعة"، بل هي دائما سرد تأويلي،
ليس فقط داخل التاريخ، بل علينا أيضا أن لا نناقشها بموضوعية. المراحل التي أصبح
العالم من خلالها أسطورة تبدأ من الأفلاطونية مرورا بالقبليات والوضعانيات
الكانطية، التي تعرّف الموضوعية كنتيجة للتجريب. العالم الحقيقي الذي لا يفترض به
أن يكون عالما من الأشكال والأفكار الخالصة، تم اختزاله حاليا في ما أنتجته الذات.
الخطاطة الكاملة التي يقدمها "أفول الأصنام" تضع كل تحليلات هيدﮔـر في
المجرى النتشوي الذي أكد تحول فكرة الحقيقة. رغم ذلك فإن نهاية الميتافيزيقا لدى هيدﮔـر
ونيتشه ليست اكتشافا نظريا، بل هي تأويل للتاريخ الذي تنتمي له وجزء مما فعله
الفلاسفة. نهاية الميتافيزيقا هي موت الإله، وهي الفكرة التي ناقشها نيتشه في
نهاية نصه "العلم الجزل":"المؤمنون قتلوا الله
بإتباع سبيله التي لا تظل، والإيمان بالله سمح ببناء عالم آمن ومنظم ومسالم، في
هذا العالم فقط أصبح الإيمان كذبة غير ضرورية".
الهرمينوطيقا لم تنوجد بسبب اكتشاف نظري لها، بل هي استجابة تأويلية لنهاية
الميتافيزيقا. التأويل حسب نيتشه وهيدﮔـر يعني تورطا مرغوبا فيه. إلا أن معنى
نهاية الميتافيزيقا ليس شيئا يجب أن نقبل به بشكل حتمي "كواقعة"؛ إنه
مجرد وصف نعتنا به التقلبات التي رواها كل من نيتشه وهيدﮔـر. نحن نقرأ هذه
التقلبات كتفكك للميتافيزيقا الموضوعية لأننا ضد الموضوعية التي تجعل تاريخ الوجود
ومرتبته أمرا مستحيلا.
الفلسفة الإيطالية المعاصرة تسمي هذه الطريقة التي تربط الهرمينوطيقا
بالعدمية ونهاية الميتافيزيقا بـ"الفكر الضعيف". الضعف
هنا يعني أساسا ترك كل الادعاءات التي تزعمها المطلقات، التي وسمت التقاليد الميتافيزيقية.إلا
ضعف الفكر لا يمكن له أن يوقف هذه الخاصية النقدية السلبية في تلك التقاليد. مثلما
أن العدمية النتشوية لا يمكن أن تكون سلبية وتفاعلية فقط. معا مع هيدﮔـر سنرى أن
تقلبات الميتافيزيقا كتاريخ للكينونة سنؤوله كسيرورة لإضعاف المطلقات والحقائق
والأسس. عموما الفكر الضعيف أصبح نظرية قوية للإضعاف كتأويل للتاريخ، أو كمعنى
يكشف عن نفسه كعملية تحررية. الفكر الضعيف يمكنه فقط أن يكون فكر الضعفاء وليس للطبقات
المهيمنة، التي تعمل جاهدة على حفظ النظام المؤسس للعالم المسلم به بديهيا.
عندما يواجه المدافعون عن الواقعية الميتافيزيقية الظرف ما بعد الحداثي (أين
تكون المبادئ والمسلمات والمطلقات والدوغمائيات منتقدة بشدة) فإنهم يميلون عادة
إلى إنكار الاختلاف السياسي الذي يعول عليه هذا الظرف لصناعة اختلاف من الدرجة
الثانية ألا وهو الاختلاف الثقافي. ولكن المفكرين الضعفاء يميلون إلى تحويل النقاش
الفلسفي إلى نضال سياسي. النضال الذي يجب أن يعتمد فيه الفكر الضعيف، الذي يعني
استحالة التغلب على الميتافيزيقا ولكن في الوقت نفسه تأسيس قدرة على العيش بدون
قيم مشرعنة. لهذا أكد تشارلز تايلور "أن الحال إذا كانت هكذا، فإننا بإمكاننا
إبطال سحر العقلانية الأخلاقية الضيقة التي تفترض ذاتها القوية والصارمة، ولكنها
تخفي في جوهرها ضعفا، أن نفكر بشكل صحيح علينا أن نعترف بالضعف الذي يسود
تفكيرنا"([2]).
الفكر الضعيف يجعل ما هو فلسفي تفكيكا للميتافيزيقا (عبر الهرمينوطيقا)
وبحثا عن أهداف ومطامح داخل إمكانيات الظرف الملقى للإنسان بدلا من فكرة الأزلية.
الفلسفة تعيد توجيه الإنسان إلى تأويل تاريخه. من المهم أن نؤكد أن الإيحاءات
السلبية لمصطلح "الضعف" لا تشير إلى فكرة إخفاق الفكر، بل إن نتائج تحول
الفكر تشير إلى نهاية الميتافيزيقا. ومن هنا يمكننا أن نقول أن هذا التحول يعد إمكانية
للتحرر والانعتاق. الفكر الضعيف هو أقوى نظرية للضعف، ولكن هذا الفكر لن يكون قويا
عندما يضعف بنيات الميتافيزيقا، لأنه ستكون هناك الكثير من البنيات التي عليه
إضعافها. مثلما أنه ستكون هناك الكثير من الذوات التي لن يحصيها علاجا، والكثير من
الأفكار التي لن تعلمن بأكملها، والكثير من الحكومات التي يجب دمقرطتها. عموما ضعف
الفكر الضعيف لا يجب أن يؤول كنقيض للفكر "القوي" أو نتيجة اكتشاف بأنه
لا وجود لوصف موضوعي للحقيقة، بل يجب أن يؤول كوعي بظرفنا ما بعد الحداثي.
رغم أن شورمان وليوطار ورورتي عرضوا النزعة ضد الأصولية
لما بعد الحداثة بطرق شتى إلا أنهم جميعا ينتمون إلى كوينية (koiné) هرمينوطيقة. أين تم شرعنة الأصول بهرمينوطيقا ضد أصولية. ولن تعد
مفاجأة إذا قلنا بأنهم هم من ألهموا الفكر الضعيف في أواخر 1980، لأن حدسياتهم ساعدت على خلق مواقف ما بعد ميتافيزيقية للفكر. فشورمان شخّص
فكرة "غياب الأصول"، أما ليوطار فقد عرّف الظرف ما بعد الحداثي، ورورتي
استكشف "المحادثة" كموجه إيتيقي لهذا الظرف بدلا من فكرة الحقيقة. هذه
الحدوس الفلسفية الثلاثة أصبحت إحالات للفكر الضعيف الهرمينوطيقي. إذا كان الوجود
مجرد تأويل فإن الإنسان يجب عليه أن يتعلم العيش دون شرعنة أو وضع قيم. بمعنى أن
نعيش ونحن نمتلك نزعة ضد أصولية. ولكن هل يمكن فلسفيا أن نفكر دون وقائع وموضوعيات
وحقائق؟، هل يمكن للسياسة أن تتخلى عن فكرة الحقيقة؟.
شورمان كان من الأوائل الذين حاولوا الإجابة عن هذا السؤال من خلال كتابيه:
الكينونة والفعل لدى هيدﮔـر: من المبادئ إلى الفوضى، والزعامات المنهارة.
يرى شورمان أننا لا نزال نعيش إلى حد الآن داخل عالم مليء بالأصول والبراديكمات.
فكل حقبة كانت توجهها مبادئ تم شرعنتها ولا
تتحول أبدا. ولكن وفقا لتحليله فإن حقب التاريخ (الإغريقية واللاتينية والحداثة)
ابتكرت مبادئ مختلفة (المرء، الطبيعة، الوعي) التي بدورها شرعنت ممارسات جديدة
(الديانات، العلم، علم النفس) لم تكن لتناسب الماضي. شورمان يرى أن الميتافيزيقا
الغربية أصبحت سلسلة من المبادئ التحقيبية التي حددت بشكل سلطوي تاريخ الفكر.
عندما تتغير حقبة معينة، فإن المبادئ الجديدة تموقع نفسها بشكل سلطوي من أجل شرعنة
هذه المبادئ.
هل نحن الآن نعي جيدا هذا التحول الذي يطرأ على الحقب التاريخية؟. شورمان
لا يرى أن نهاية الميتافيزيقا بدأت مع نيتشه وهيدﮔـر كوعيين نظريين لبنية مجهولة
مرتبطة بالكينونة، بل اعتبرهما كمشرعين لمبادئ أخرى. إنهما افتراضان لغياب الأصول.
وهذا هو معنى الفوضى الذي يحيل عليه كتابه: اقتصاد الكينونة (استبدال
المبادئ القديمة بأخرى جديدة) الذي لم يتبع فيه مسارا عقلانيا داخل التاريخ، بل
مسارا فوضويا.
المشكل الذي يواجهنا من خلال هذا التحليل، أي تحليل نهاية الميتافيزيقا: ما
العمل ونحن قد شخصنا ميكانيزمات وضع المبادئ وحتى غيابها؟. كما رأينا في بداية هذا
المقال، شورمان يرى أن المسار الفوضوي للهرمينوطيقا لا يتضمن غياب كل القواعد بل إقصاء
القاعدة الوحيدة التي توجه كل الممارسات. لهذا السبب لا يمكننا العيش إلا عندما
نغيب الميتافيزيقا عبر اكتساب مزاج وجودي فوضوي؛ بمعنى أن نتعود على العيش دون قيم
وأصول مشرعنة، التي لم يعد ممكنا أن نمارسها داخل مجتمعات ما بعد الميتافيزيقا. أو
كما سماها ليوطار، مجتمعات ما بعد الحداثة. سؤال اليوم: "ما الذي يجب أن
نفعله؟، هل علينا أن تتكلم في فراغ فضاء هجر بفعل التمثيلات المتتالية لأرض غير
مرتجة". ليوطار ورورتي يريان أنه بإمكاننا أن نعيش دون شرعنة أو تأسيس قيم
معينة، ويشيران إلى الفرص التي قد يوفرها مثل هذا العيش.
في عام 1970 كلفت الحكومة الكندية ليوطار بكتابة تقرير حول المعرفة،
وبدلا من أن يكون هذا العمل مجرد تقرير مبسط، أتى المفكر الفرنسي بواحد من أكثر
النصوص الفلسفية مناقشة في النصف الثاني من القرن الماضي؛ الظرف ما بعد الحداثي.
ورغم أن هذا الظرف قد تم توصيفه لأول مرة من قبل إيهاب حسن سنة 1976 حينما حدده في الظرف الاجتماعي للحضارة الغربية. فإن ليوطار استطاع بعد
سنوات قليلة أن يكشف عن الابتكارات الفلسفية التي يدل عليها هذا المصطلح. ليوطار
لخص بشكل غير مباشر سمات الفكر الضعيف، أي كيف أن عصره يختلف عن عصر الحداثة
(الميتافيزيقا). ولكن على عكس شورمان الذي حصر نفسه في محاولة تحديد فكرة
"الأرض المرتجة"، رأى ليوطار أن هذه الأرض هي أرضنا نحن.
ليوطار يتفق مع شورمان بأن الحداثة تميزت بشرعنة المعايير والنظم، إلا أنه
رأى أن هذه العملية قد تمت عبر ما سماه بالميتاسرديات بدلا من فكرة المبادئ التي
اقترحها شورمان. هذه الميتاسرديات تعد أساطيرا تم تأسيسها لتمثل نفسها كسرديات
شاملة (الوضعانية والماركسية والهيغلية). عموما الحداثة زمنٌ كانت المبادئ فيه
مشرعنة من خلال هذا الميتاسرديات، في زمن ما بعد الحداثة هذه السرديات نفسها
أفلست. التكنولوجيا التواصلية أثرّت في وجهات النظر ونوعتها. إلا أن هذا الإفلاس
لا يعني أن هذه الميتاسرديات لم تعد موجودة تماما، بل يدل على أنه لم تعد هناك
مصلحة منها بعد التقدم التكنولوجي منذ الحرب العالمية الثانية. فمن بين التأثيرات
التي أنتجها هذا التحول التكنولوجي؛ الاهتمام المتزايد بنهاية التاريخ كتطور نحو
التحرر الاجتماعي، والمعرفة كتقدم نحو الكمال والحقيقة. وبدلا من فكرة التاريخ
الشرعي والمعرفة المؤسسة على هذه الميتاسرديات نميل اليوم إلى جماعية التأويلات
كممارسة وصلت ذروتها مع الانترنت. ولكن ماذا سيحدث عندما لا يصبح بإمكاننا أن
نشرعن أفكارنا كتقدم نحو الحقيقة؟. التصور نفسه للحقيقة ضعيف داخل تأويلاته
المتعددة ويجعلها مستحيلة لتحقيق برنامج عقلاني لتحسين الظرف البشري.
لتفسير هذا الظرف ما بعد الحداثي للحقيقة استخدم ليوطار مصطلح لعبة اللغة لفتجنشتاين.
أين يمكننا أن نرى النزعة المعادية للأصولية في الهرمينوطيقا بشكل جلي. في مرحلته
الفكرية الثانية طور فتجنشتاين تصورا للحقيقة حيث رأى أن وصفها لا يمكن أن يكون
عبر نظرية معينة وإنما بواسطة ألعاب اللغة المتعددة، علّق ليوطار على هذه الألعاب
كالآتي: "أولا قواعد هذه الألعاب لا تحمل في ذاتها أية شرعية معينة، بل هي
مجرد قواعد خاضعة لعقد معين. سواء كان واضجا أو غير واضح بين اللاعبين (بحيث لا يمكنك أن تقول أن هذه القواعد تم
افتراضها من قبل اللاعبين). الأمر الثاني: إذا لم تكن هناك قواعد فلا وجود للعب،
وحتى إن وجد تعديل طفيف في قاعدة معينة فإنه سيغير من طبيعة اللعبة. عدم اكتفاء
الحركة والكلام بالقواعد أمر يخرجهما من اللعبة. الأمر الثالث: كل ملفوظ يجب أن
يفكر فيه كحركة داخل لعبة اللغة".
خلافا لبعض المؤولين نعتقد أن هناك حافزا سياسيا خلف استعمال ليوطار لفكرة
ألعاب اللغة، لأن هذه الفكرة وظفت لتمثيل حالة المعرفة داخل الظرف ما بعد الحداثي.
وإذا قمنا باستبدال كلمة "القواعد" في المقطع السابق بكلمة
"الحقيقة"، فإن فكرة الحقيقة يجب عليها أن تحترم العرضية داخل السيرورات
التي تنتمي إليها. بعبارة أخرى: كل لعبة تتضمن حقيقة تختلف عن حقائق أخرى في ألعاب
أخرى. وهذا له معنى سياسي عميق، فالسياسات الجديدة لا يمكنها أن تتأسس على تمثيل
دقيق للواقع، بل عليها أن تبني نفسها داخل أحداث رمزية مختلفة لا يمكن تمثيلها
بواسطة نظرية عقلانية. المشروع السياسي التطوري للهرمينوطيقا هنا أصبح جليا عند
ليوطار أحد رواد التأويل الذي دعا إلى الانعتاق والتحرر.
الازدراء الليوطاري بالسرديات الكبرى لاقى رواجا كبيرا لدى الأقليات
السياسية والثقافية والفكرية. لأنه أكد أن الاختلاف مبدأ يجب أن نتبعه بدلا من
رفضه، كما أن هذا الاختلاف هو الطريق نحو الحضارة. الأقليات همشت دائما عبر
السياسيات العقلانية لأنها خالفتها واختلفت عنها، واستغلت هذا الاختلاف لدعم مقولة
التمييز العنصري. ليوطار اعتقد أن اختلاف كل لعبة لغوية (حقيقة ما) يجب أن لا يكون
فقط مدمجا في التنظيم الاجتماعي بل أيضا هدفا لهذا التنظيم. ولكن عندما نجعل الاختلاف
ظرفا يجب علينا أن نتبعه لا أن نرفضه، لأن المحادثة ستكون بديلا عن الحقيقة، لأنها
سترحب بجماعية الألعاب اللغوية التي تحيط بنا. مصطلح المحادثة سيسمح لنا بنبذ
السرديات الكبرى الحديثة التي تحاول تفسير كل الممارسات الجماعية من خلال مماثلتها
لأنماط كونية حتى ولو اصطدمت بباقي الثقافات الأخرى. ربما يعتقد البعض أن مصطلح
المحادثة قوض نظامنا الثقافي والأخلاقي لصالح النسبية، إلا أن رورتي قد رأى أن هذا
المفهوم يمكنه أن يتيح لنا إمكانيات تحررية جديدة داخل هذا النظام. لا يوجد موقع
خارج ألعاب لغتنا المؤسسة تاريخيا يمكننا من خلاله أن نميز العقل عن العالم.
قبل الإشارة إلى بعض الإمكانيات التي قد تمنحها لنا المحادثة كدليل إيتيقي.
من المهم أن نذكر بأن رورتي هو الفيلسوف الذي أقر بأن الفلسفة الأنجلوسكسونية هي
آخر لهاث في الفلسفات الوصفية. فالفلسفات الواقعية والقارية والتحليلية تعد مسئولة
نظريا على الحد من المطامح الديمقراطية للحرية، من خلال فرض سلطتها الابستمولوجية
للحقيقة والدولة الليبرالية. هذا تقريبا ما جعل رورتي في كتابه: الفلسفة ومرآة
الطبيعة (1979) -بعد أن أشار إلى الرغبة التي تؤطر الفلسفة التحليلة،
رغبة محاكاة العلوم الطبيعية وأجندتها التقنية- يرى أن الهرمينوطيقا "تعبير
عن الأمل الذي خلا منه الفضاء الثقافي، انتهت الابستيمولوجيا و بقى مكانا فارغا لم
يملئ بعد"([3]). لهذا السبب يعد رورتي من أو المشجعين على الفكر الضعيف
الهرمينوطيقي، لأنه لا يتظاهر بملئ هذا الفراغ الموجود في الفضاء الثقافي، بل دافع
عن حق اكتشاف تأويلات وأوصاف وفهوم أخرى للعالم. رورتي شرح هذا الفعل عبر التلميح
لنيتشه: "ما يريد نيتشه والهرمينوطيقا أن يقولاه لنا هو أننا لسنا بحاجة إلى
منهج بل التشكيك في فكرة المنهج في حد ذاتها. هو وأتباعه لا يجب أن يدركوا
كتصورات، بل كشك حول التصورات. حتى تلك التي استعملوها هم. يجب أن ننظر إليهم
كمفكرين استخدموا تلك التصورات كأدوات ووسائل لا كمرآة تعكس الواقع كما هو. أدوات
لحل المشاكل لا كأصول ننتقد من خلالها آخرين يستخدمون تصورات مختلفة عنا"([4]).
المعرفة بعد الميتافيزيقا التي أنهاها نيتشه وهيدﮔـر ودريدا لا يمكن أن
تكتسب عبر إقرار مقترحات خاطئة أو صحيحة، ولكنها تكتسب عبر المحادثة، التي ستكون
"السياق النهائي الذي سيحصل من خلاله الفهم الأمثل للمعرفة"([5]). رورتي رأى أن تحول البراديكم من الحقيقة إلى المحادثة
تحول دفع نيتشه وهيدﮔـر إلى إنهاء الميتافيزيقا؛ "أن ترى الفلسفة كسعي
للحقيقة هو أن ترى الإنسان كموضوع لا كذات"[6].
فلسفة رورتي تسعى إلى تطوير التبعات المرتبطة بمسألة التخلي عن فكرة الحقيقة
كمسألة تمثيل عقلي أو لساني للواقع. إنه يدعو جميع الفلاسفة إلى استبدال فكرة
الفلسفة كمرآة للطبيعة بفلسفة الهرمينوطيقا التي ستوجه المحادثة البشرية.
رورتي مثل شورمان وليوطار يعتقد أن لاشيء بإمكانه أن يشرعن ويؤسس قيم
ممارستنا. لاشيء بإمكانه أن يشوفنا الطريقة التي تكون عليها تلك الممارسات في تماس
مع الأشياء كما هي. بعبارة أخرى؛ من الأفضل أن نجعل القرارات العملية متخذة داخل
تاريخنا وتجاربنا بدلا من الحقيقة والمبادئ. المبادئ التقليدية التي طالما أهملت
التبرير الإنساني، إنها مصفوفات ميتافيزيقية تفترض أننا داخل نقطة معينة في التاريخ
يمكننا أن نصل إلى أهدافنا (التي يمكن أن تتخذ أشكالا متعددة مثل الحياة الأبدية،
العدل، الصحة). رورتي يتبع الحدسيات النتشوية التي تذكرنا بأن هذه الأهداف لن
تتحقق: هي مجرد إسقاطات لإنسانية متداعية تبحث عن ضمانات قصوى. وبما أن المبادئ لا
تتعلق بأي شيء يمكننا أن نجربه، فإن التبريرات الإنسانية تكون دائما متعلقة بمجتمع
اللعبة اللغوية. ضمن هذه المجتمعات الحرة والفردية يرى رورتي إمكانية أن نكون مجرد
عرضيات تاريخية، محددة عبر الحرية بدلا من الدلالات القطعية للحقيقة. بالتالي
فالمسار الإتيقي لفلسفة رورتي لا يعتمد على مفهوم الأخلاق بل على فكرة الضعف
" الأخلاق داخل فكرة الضعف ليست مسألة التزامات غير مشروطة، مفروضة عبر سلطة
قدسية أو شبه قدسية، لكنها شيء مرتجل عبر مجموعة من الناس يحاولون ضبط ظروفهم
وفقها وتحقيق أهدافهم بواسطتها"([7]). هذا التواضع سيشجع التآخي مع حدسيات أخرى ويثير شهية
التجريب في تجديد واستبدال الحدسيات.
عثر رورتي في الهرمينوطيقا (الفكر الضعيف) على إتيقا دون مبادئ، وسياسة دون
حقيقة. والثلاثة (رورتي، ليوطار وشورمان) يرون أن الليبرالية لن تكون ممكنة إلا
إذا أعطى الإنسان حرية غير محدودة لمسألة "الإبداع من جديد". هذا السبب
هو الذي يجعل الإنجازات داخل المجتمعات المتسامحة محددة بجماعية المحادثات بدلا من
فرض نموذج الدولة الليبرالية. هذا بالطبع لن يكون ممكنا إلا إذا تخلينا على النظم
المشرعنة والمعتقدات الأصولية والمبادئ التقليدية التي تضمن بقاء الروابط بين
قطعياتنا العقلية والحقيقة والله والطبيعة.
الاتهام الأساسي الموجه ضد الفكر الضعيف الهرمينوطيقي يتمثل في دعم هذا
الفكر لمقولة "السياسة دون حقيقة"، أي دعم النسبية. ولكن على عكس ما يعتقد
البعض فإن نسبية التأويلات التي لاقت قبولا واسعا داخل ما بعد الحداثة لا تدل على
تراكم تقدمي لوجهات النظر، بل هي استحالة تفضيل تأويل على آخر. ورغم أن بعض
التأويلات قد تكون مفضلة على أخرى، إلا أن هذا لا يعني أن هذا التأويل يعتمد على
شيء خارجي أو ضمانات موضوعية بل هو مؤسس فقط داخل التاريخ الذي أنتجه. النسبية
التي تميز الفكر الضعيف الهرمينوطيقي لا يمكنها أن تكون مطلقة لأنها في جوهرها تعد
فكرا معاديا لأية مطلقية بما في ذلك "النسبية المطلقة"، التي لا يمكن
لأي فعل سياسي قمعي أن يعكسها. هذا أيضا سببه أن الواقع لا يزال موجودا هرمينوطيقيا،
ولكن ضمن براديكمات معينة، وكما فسر كوهن؛ من الممكن دائما أن نؤسس تأويلا أو
افتراضا، قد يكون صحيحا أو خاطئا ولكن ذلك يحدث فقط داخل ظرف تاريخي، أو في بعض
الميادين العلمية، أو ضمن حقبة سياسية معينة.
بسبب كل هذه العوامل مجتمعة يعد الفكر الضعيف فكرا للضعفاء، لأولئك الذين
لم يرضوا بالمبادئ المؤسسة المفروضة عليهم بشكل سلطوي، ويطالبون بحقوق أخرى، أي
تأويلات جديدة. وضمن هذه السياسات (سياسات التأويل) تصبح المحادثة هي العالم الذي
يصغي فيه الواصفون السلطويون لدعوة الضعيف، لعلهم يغيروا أولوياتهم الأنانية،
ولكنهم إن لم يفعلوا ذلك فسيمضي الضعيف لوحده. ربما رورتي حدس هذه الوحدة عندما
صرح بأن "ما هو مهم حول الحكومة الديمقراطية التمثيلية أنها منحت الفقير
والضعيف الأداة التي سيستعملانها ضد الأغنياء والأقوياء. وبخاصة ضد الوحشية
اللاواعية للمؤسسات، التي من خلالها يمارس القوي سلطته على الضعيف"([8]).
Penguin, 1968), 50-51.
[2]- تاريخ الفكر الضعيف يمكن أن يطلع
عليه داخل هذه الدراسات:
P. A. Rovatti, “Weak
Thought 2004," in Weakening Philosophy, ed. S. Zabala (Montreal: McGill-Queen's
University Press, 2007), 131-145; S. Zabala, “Gianni Vattimo and Weak
thought," in Weakening Philosophy, ed. S. Zabala (Montreal: McGill-Queen's
University Press, 2007), 3-34; and G. Giorgio, Il pensiero di Gianni Vattimo
(Milan: Franco Angeli, 2007).
[3] - R. Rorty Philosophy and the Mirror of Nature
(Princeton, NJ.: Princeton University Press, 1979), 315.
[7] - R. Rorty “Heideggerianism and Leftist Politics,"
in weakening Philosophy, ed. S. Zabala (Montreal: McGill-Queen’s
University Press, 2.007), 157.
[8] - R. Rorty “Persuasion ls a Good Thing,"
in Take Care of Freedom and Truth Will Take Care of Itself ed. E. Mendieta
(Stanford, Calif: Stanford University Press, 2006), 81.
Commentaires
Enregistrer un commentaire