ترجمات في الهرمينوطيقا


التأويل كفوضى
                                                                     ترجمة جمال بلقاسم


طوال مشوار الفلسفة السياسية لطالما اعتبر التأويل والسياسة مجالين منفصلين. كانط (Kant) أدرك التأويل كوظيفة اجتماعية تتوسط بين الناس والسلطة. هوبز (Hobbes) رأى فيه حاجة من حاجيات الدولة، وفيبر (Weber) رأى في السياسة والتأويل مجالين مختلفين من مجالات الثقافة([1]). متى أصبح التأويل مشكلا محورا داخل الفلسفة والسيكولوجيا والعلم في القرن العشرين؟، فقط عندما بدأت التبعات السياسية للهرمينوطيقا بالظهور. على سبيل المثال: في سنة 1982 أصدرت مجلة "التحقيق النقدي" وهي مجلة متعددة التخصصات عددا بعنوان:" سياسات التأويل"، مستكتبة في ذلك العديد من الباحثين والدارسين لمناقشة العلاقة بين التأويل والسياسة. بعد سنوات قليلة نشر ستانلي روزن (Stanley Rosen) نصه :" الهرمينوطيقا كسياسة". ثم باتريك هولم هوﮔـان (Patrick Colm Hogan) "سياسات التأويل". ثم جورجيا ورنك (Georgia Warnke) "العدالة والتأويل". كل هذه الاصدرات إلى جانب أخرى عملت على تطوير العلاقة بين السياسة والتأويل([2])، وتحليلاتها دارت عموما حول المعنى السياسي لتأويلات القراء للنصوص. إلا أنها لم تبحث في المشروع السياسي التطوري الذي تضمنته الهرمينوطيقا.  هدفنا هنا ليس مجرد عرض لجوهر هذا المشروع السياسي، بل أيضا الكشف عن إمكانية التحرر والانعتاق الكامنة في هذا المشروع([3]).
لماذا المشروع السياسي للهرمينوطيقا بقى مشروعا لم يبحث فيه لحد الآن؟. السبب الأول هو سبب سوسيو-تاريخي: أسياد الهرمينوطيقا المعاصرون، نيتشه (Nietzsche) وهيدﮔـر (Heidegger) وغادامير (Gadamer) كانوا تقليديا وسياسيا وثقافيا أسيادا محافظين. ومسألة أن هيدﮔـر- الذي كان عضو في الحزب النازي- أول من بحث بشكل منهجي في البعد الأنطولوجي للهرمينوطيقا، جعلت الكثير من المؤلفين ككارل بوبر (Popper) وهبرماس (Habermas) وآخرين ينأون بأنفسهم عن جميع حدسيات هذا المفكر الألماني. هرمينوطيقا ﮔـادامير لاقت نفس المصير فقد تم إدانتها من قبل هبرماس سنة 1979 وأتباعه من الطلبة الألمان الذين شاركوا في ثورة 1968 لكونها محافظة أيضا. هذه الإدانة تجذّرت داخل فكرة مفادها أن الهرمينوطيقا تتكل على تسليم غير نقدي بالماضي. ولكن حتى هذا النوع من الاتكال لا يمكنه أن يتحقق إلا عبر وجود ممارسة نقدية أيضا. بعبارة أخرى الهرمينوطيقا نظرية نقدية أكثر ما تدعيه مدرسة فرانكفورت. لأنها لا تحتاج إلى تأسيس وظيفتها النقدية داخل المثاليات الميتافيزيقية،  كما فعلت تواصلية هبرماس أو الظرف الترنسندنتالي للعقلانية لآبل (Apel). الهرمينوطيقا كما سنراها عند لوثر (Luther) وفرويد (Freud) مثلا، ملتزمة بتجاوز الاصطلاحات والمعايير المؤسساتية والمعتقدات وعدم قبول الممارسات الموجودة بشكل بديهي. أما تلك الأجيال من الفلاسفة التي لم يتعاطى هرمينوطيقا هيدﮔـر وﮔـادامير بعد الحرب العالمية الثانية فالسبب يعود إلى أن أي ثمين لهذه الفلسفة اعتبر احتفاء بنشاط هذين المفكرين خلال فترة الحكم النازي. على كل حال لا نريد أن نبرر الاختيارات السياسية لنيتشه وهيدﮔـر وﮔـادامير (لأن هذا يحتاج إلى دراسة أخرى تبرر مثلا رؤية دافيد هيوم (David Hume) للسود ككينونة أدنى طبيعيا من البيض، أو إعلان ﮔـتلوب فريج (Gottlob Frege) لمعاداته للسامية أو دعم أندريه ﮔـلاكسمان (Glucksmann) لاجتياح العراق في 2003)، ما أردنا أن نشير إليه هو أن الهرمينوطيقا كفلسفة لم تكن ممكنة من دون هؤلاء الثلاثة، ولكن لا أحدا منهم طور أبعادها السياسة أو ما نفضل أن نسميه "المشروع السياسي" لها.   
 لا نقصد بالمشروع السياسي أن الهرمينوطيقا تمثل موقعا سياسيا لم يستكشف منهجيا من قبل أي أحد، بل بالأحرى أردنا أن نؤكد أن الهرمينوطيقا سياسة في حد ذاتها. وكما أشارت حنى أرنت (Hannah Arendt) فإن السياسة ليست مجرد يقينيات متنازع عليها، أو طلب الاعتراف بشيء ما، أو علاقات السلطة، بل هي ضرورة الفعل لإنشاء فضاء عمومي، حيث يكون الأفراد داخل هذا الفضاء متعايشين بشكل مرن، بينما حماية الفضاء الخاص بهم يحتاج منهم إلى تطوير جانبهم الشخصي. بالتالي فالهرمينوطيقا بهذا الشكل تعد سياسة أيضا، إنها مؤسسة على جماعية التطورات الفردية المنتجة للتأويلات النشطة. والفلسفة التي تعتمد على جماعية التأويلات لا يجب عليها فقط أن تتحاشى المزاعم الميتافيزيقية للقيم العالمية، بل يجب عليها أيضا أن تتجنب الطبيعة السلبية والمحافظة التي تميز الفلسفات الوصفية وذلك دعما للفعل. هذه الفلسفات التي تهتم بتنظيم السيرورات الموضوعية من أجل فرضها، بينما ما يحفز الهيرمينوطيقا هو الحرفة النشطة، بمعنى ما هو نقيض للنظرية كتأمين وحياد وعنف. وأبعد مما تهدف إليه هذه الفلسفات فإن التأويل غالبا ما يتضمن نداء للتحرر، الذي يعد تطوريا بشكل سياسي؛ بعبارة أخرى، إنه مناقض لحالة البزنس الموضوعية. لهذا كانت الهرمينوطيقا دائما العمود الفقري المستتر للثورات الثقافية ضد ذوي السلطة، بمعنى ركيزة أغلب الحركات الفاعلة ضد فكرة الحقيقة السلطوية المفروضة. على كل حال حتى هذه الحركات أدينت أيضا لكونها قمعية من خلال محاولتها فرض أجندتها هي الأخرى. يجب أن نشير إلى أن ثمة مسارا فوضويا للهرمينوطيقا لا يتضمن غياب القواعد كلية بل غياب القاعدة الوحيدة والمتفردة كما أشار راينر شورمان (Reiner Schȕrmann). وكمقاومة للمبادئ والاصطلاحات والمقولات البديهية فإن الفوضى ليست نهاية المشروع السياسي للهرمينوطيقا بل هي بدايته.
ربما من الأسباب التي جعلت المشروع السياسي للهرمينوطيقا مشروعا ملفتا للانتباه هو أن السياسية أصبحت تعي نهاية الميتافيزيقا، أي اللاجدوى من ترويج فكرة "الحقيقة الموضوعية" و"القيم العالمية" و"الثورات الإيديولوجية". نهاية الميتافيزيقا تعني نهاية المعرفة المؤسسة على ما هو موضوعي كمقياس وحيد للحقيقة.هذا الفهم للحقيقة ليس مشاعا فقط داخل الأوساط العلمية -أين لا تعد الذات صحيحة إلا إذا تطابقت مع ما هو موضوعي- بل أيضا لدى الفلسفات الوصفية التي تفرض أنظمتها بشكل عنيف. اجتياح العراق عام 2003 وخطة إنقاذ البنوك عام 2008 مثالين نموذجين على سياسات هذه الأنظمة تجاه الحقيقة ومثالين على إخفاقها أيضا، تَفَكُّك سياسات الأوصاف يمكن أن نعثر عليه أيضا داخل أمثلة أخرى كنهاية الكولونيالية وصعود الأنثروبولوجيا الثقافية: فحين بدأت الأنثروبولوجيا الثقافية تتشكل كحقل معرفي تم تقويض مقولة التقدم الخطي للإنسانية الذي يوجهه الرجل الأكثر تحضرا (الغربي)، وسمحت لباقي التأويلات أن تتقدم وتأخذ نصيبها في تخويل وجهات نظر أخرى. نهاية الميتافيزيقا أيضا سارت جنبا إلى جنب مع نهاية الحداثة (modernity) وإدراك الطبيعة التأويلية للأوصاف.  داخل الظرف ما بعد الحداثي بدلا من أن تربط السياسة نفسها بالحقيقة، وجب أن تكون مؤطرة عبر التفاعل بين الأقليات والأغلبية، أي عبر وفاق ديمقراطي. هذا الوفاق الديمقراطي الإجرائي لا يختلف تماما عن جوهر الهرمينوطيقا، بمعنى طبيعة التأويل المجازفة والعرضية والحرة التي ترفض أي إلزام بحقيقة معينة. هذه الحقيقة التي تعتمد عليها سياسات الأوصاف حُوّلت إلى سياسات التأويل عبر إعطاء الضعيف الحق في التأويل. عموما الهرمينوطيقا تعد الفلسفة الوحيدة التي تعكس جماعية مجتمعات ما بعد الحداثة. أين لا تقاس الانجازات عبر مقولة الحقيقة بل عبر العلاقة بالآخرين. قبل أن نشرع في وصف المشروع السياسي للهرمينوطيقا نود أن نستكشف أعمال أسيادها (دلتاي، نيتشه، هيدﮔـر وﮔـادامير) وأصولها (لوثر، فرويد، كوهن) وتطوراتها السياسية الراديكالية (شورمان، ليوطار، رورتي)، وهو أمر سيقودنا إلى فهم التحرر السياسي الذي يقدمه التأويل كأداة للضعيف.











[1] - هذا الفهم للتأويل من قبل كانط وهوبز وفيبر تم الاشارة إليه من قبل:
H. White, in “The Politics of Historical Interpretation: Discipline and De-Sublimation,” Critical Inquiry (September 1982): 114.
[2] - R. R. Sullivan, Political Hermeneutics (Philadelphia: Pennsylvania State University Press, 1989); R. Alejandro, Hermeneutics, Citizenship, and the Public Sphere (Cambridge, Mass.: The MIT Press, 1993), T. Carver and M. Hyvarinen, eds., Interpreting the Political: New Methodologies (London: Routledge, 1997). G. Burns, M. Ferraris,_J. Grondin, R Lanceros, A. Ortiz osés, L. Ormiston, R. Palmer, J. Risser, A.D. Schrift, J. Weinsheimer,
إضافة إلى آخرين كتبوا تواريخ الهرمينوطيقا ومقدمات عنها وأنشئوا معاجم حولها. 
[3] - للاطلاع أكثر على النتيجة السياسية التطورية في صياغتها الأولى لدى كادامير في كتابه الحقيقة والمنهج. انظر:
G. Vattimo, “The Political Outcome of Henneneutics," in Consequences of Hermeneutics, ed. J. Malpas and S. Zabala (Chicago: Northwestern University Press, 2010), 281-87.

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

من فلسفتي: المثلث الأنطولوجي ومرحلتنا الراهنة من تاريخ البشرية.

موسوعة ما بعد الحداثة: مقاربات حول المفاهيم

المسار اللاسلطوي للهرمينوطيقا