ثقافة ما بعد الميتافيزيقا
كتبه: جمال بلقاسم
نصوص على ظهر الحمار الذهبي
في كتابه الأممية
الهرمينوطيقية: من هيدغر إلى ماركس. أورد جياني فاتيمو ملاحظة هامة قد تكون
بداية جيدة لما نودّ طرحه في هذا المقال. فاتيمو تحدث عن إخفاق الفلاسفة
الماركسيين في تغييرهم للعالم، "وهذا ليس بسبب أن مقاربتهم السياسية له كانت خاطئة، بل لأنها كانت مؤطرة ضمن
نسق ميتافيزيقي"، أي؛ إغراقهم للعالم في مزاعم موضوعية حول الحقيقة والكينونة
والتمركز حول اللوغوس. أشياء طوقتها وفككتها فلسفة نيتشه وهيدغر ودريدا. ما الذي
أريد أن أقوله؟. أريد أن أشير إلى أن تشخيص الثقافة الجزائرية
باعتبارها وسائل للفعل الاجتماعي، والذي كان من أولويات الخطاب النقدي الجزائري
المعاصر، تضمن مزاعم ما يسمى بالتقويم الإيديولوجي، أي تقويم المستوى الثقافي
مجسدا في الايدولوجيا الجزائرية المعاصرة، أو منطق الثقافة الذي تتحدّد به ومن
خلاله الممارسة الحضارية. هذا التقويم كان
مؤطّرا ضمن نسق ميتافيزيقي لم يدرك النسيج الجذموري للواقع، سأقترح عليك جملة
لزيزاك لتفهمني:"لم نعد بحاجة إلى فكر هدفه شرح جميع الأنظمة والمشاريع التحررية، التحتيم
العنيف للحلول الكبرى عليه أن يغادر أرضنا لأجل المقاومة والتدخل في شؤوننا الخاصة
بنا".
ما الذي نريد تقويمه إيديولوجيا؟ "القواعد الذهنية المتبطنة في سلوك الأفراد، وفي
أحلام الرجال، ورسوم الأطفال، في الآداب الريفية ونفسانيات الأبطال الروائية، في
نصائح الأمهات ودروس التربية الأخلاقية... هذه الأيدولوجيا هي منطلق تصور الأحوال
السياسية العامة الداخلية والخارجية، وعلى أساسها تتخذ قرارتها كل الفئات
المتصارعة على النطاق المحلي". كتعليق على هذا النص
أود أن أقول بأن هذه الإيديولوجيا جزء من تاريخ كولونيالي، أو هي "هوامش
الفلسفة" بتعبير دريدا أو هي "الكينونة" بتعبير هيدغر
أو هي "إرث المقموع" بتعبير ولتر بنيامين. هذه
الإيديولوجيا التي نريد أن نقوّمها هي ما لم تقبله الميتافيزيقا (الكولونيالية)؛"إنها
الكينونة المنسية أو المتناساة". هذه الكينونة (Being) لا تحتاج إلى بحث علمي عميق في فكرة موضوع الكينونة بل
إلى إعادة جمع التاريخ الذي قمعته الميتافيزيقا، ما سماه دريدا "هوامش
الفلسفة" وبنيامين "إرث المقموع". داخل هذا التاريخ المختلف
والمنسي يمكن للمرء أن يجد ضحايا الميتافيزيقا (الكولونيالية) وربما يجد فيه أيضا
إمكانيات التحرر منها.
المحفزات التي تقف
وراء تشخيص الثقافة الجزائرية تأتي من كون أن الواقع الجزائري يعتقد في إمكانية
الاستمرار على ثقافة الماضي، وهذا ما يجعل أبنيته السائدة تراثية، مفارقة للواقع
والعصر، لم تتجاوز بعد مرحلة اللاعودة، فالزمن الذي يعيشه الإنسان الجزائري
"مثلما عاشه أجداده
في القرون الماضية، يعيشه دون أن يشعر بأي اغتراب أو نفي في الماضي، عندما يتعامل
فكريا مع شخصيات هذا الماضي أدبائه ومفكريه. بل بالعكس هو لا يجد تمام ذاته، لا
يشعر بالاستقرار ولا بحسن الجوار إلا باستغراقه فيه
وانقطاعه له". يمكننا أن نستجلب إحدى القناعات هنا لتطوير ثيمة مركزية
حول الثقافة الجزائرية ومشكلة التاريخ الذي عليها أن تعتمده لإدراج نفسها في
ممارسة حضارية فعلية. ولتر بنيامين أكد على أهمية التاريخ الآخر المقموع من قبل
الميتافيزيقا الغربية (الكولونيالية، الحداثة...). المفكر الألماني أشار إلى وجود
اختلاف جوهري حول التاريخ المقبول عادة: فمن جهة، تاريخ المنتصرين الذين أُطْلِقَ
عليهم أيضا اسم "القامعين". ومن جهة أخرى، تاريخ المهزومين أو
"المقموعين". وفقا لبنيامين، فإن التاريخ الأول يعتبر دائما وبشكل
تقليدي تاريخا مستمرا، أما الثاني فقد مُثِّلَ على أنه تاريخ منقطع، مورّط في
الاضطرابات وحالات الطوارئ والتعديلات والتبديلات. ولكن إذا كان تاريخ المهزوم
منقطعا فليس معنى ذلك أنه تاريخ خاطئ أو لاعقلاني، بل لأنه هُزم واضْطُهِد: بعبارة
أخرى، إنه نتيجة لمن قمعه، لأولئك الذين يحافظون على سلامة قواعدهم ونسقهم القمعي.
لهذا السبب يعتقد بنيامين أنه إذا كانت "فكرة الاستمرار قد سطّحت كل شيء فإن فكرة الانقطاع هي قاعدة النسق
العبقري". بمعنى قاعدة التحررات الممكنة. التاريخ المقموع يشجع المهزومين
والضعفاء على المضي قدما وحثّ الميتافيزيقا على شجب لامبالاتها. ولكن متى سيحدث
هذا التاريخ المهزوم؟، وما هي احتمالات ذلك؟.
حدوث هذا التاريخ المهزوم تعيقه فكرة البحث عن الحقيقة التي تستغرق
حواراتنا ونقاشاتنا. عندما تنتهي الحقيقة ستبدأ الديمقراطية. مما لاحظه البعض
أن نقد بنيامين لتاريخ المنتصرين
لا يعتزم الكشف عن الحقيقة داخل التاريخ.
ولا حتى نقض هيدغر
للميتافيزيقا لم يكن يسعى للكشف عن حقيقة الكينونة. إنه نقد يبحث عن التحرر
السياسي من داخل هذا التاريخ: الفضاء الذي تكون من خلاله إمكانية الحرية متاحة
بشكل فعلي. هذا التاريخ الآخر يكشف عن إمكانيات ومشاريع وحقوق لم يتم معاينتها أو
تعيينها خدمة للعقلانية الغربية. ولكن الأهمّ من ذلك كله أن هذا التاريخ يكشف عن
حالة الطوارئ التي تحيط بالميتافيزيقا: نسق المقموع يعلمنا أن حالة الطوارئ التي نعيشها ليست
هي الاستثناء، إنها القاعدة، وعلينا أن نحقق تصورا للتاريخ يتفق مع هذا التبصر. ثم
سنرى بوضوح أن مهمتنا هي تحقيق حالة طوارئ فعلية، وهو ما سيحسّن موقفنا في الكفاح
ضد حتميات الدلالة الواحدة.

Commentaires
Enregistrer un commentaire