بريكولاج
الحكمة التي أوجدت نبتة الشيح هي نفسها الحكمة التي أوجدت جار الماء (شجر
حرجي يألف الماء) وشجر الحَوْر على ضفتي نهر التايمز، أتذكر أنني تحدثت مع نفسي
وأنا أتأمل صورة التقطها لي أحد الأصدقاء قرب وادي العنصر الكبير بجيجل أن:
"الماء لا يعلق بشيء، بل الأشياء هي التي تعلق به دائما". هنا قبالة
التايمز لا أرغب في العلوق بالماء، وإنما أريد أن أستعير شيئا ما من داخلي، لا
أريد أن أقول إنه الشيح، وإنما اسم الفاعل من هذه الكلمة "الشايح"، كلمة
عامية نستخدمها كثيرا، نعبر بها عن غياب الأخبار السارة، أو المتع أو المال أو
...الخ. كيف الحال: (لاشيء... إنها شايحة).
نعم إنها الجملة التي أريدها فعلا، جملة ليست باهضة، أحاول أن استخدم الشيح
كموضوع يمكنني من فهم شيء ما عن شيء ما، سوفكليس يقول أن الأشياء تجلس قبالتنا
لنراها وعندما نراها علينا أن نفهمها. لا أرى الشيح؟ ولكنه يسكن بقعة ما من
بقاعي. أرغب في أن أدسّ حفنة من ماء التايمز في تلك البقعة، أعلم أن هذه الجملة باذخة
سرياليا ولكنني أريدها أن تحدث بداخلي بهذه المجازية. لا أعلم ما الذي قد يفعله
الماء بتلك البقعة "الشايحة"، ولكنني لا أريد أن يهبها لون الدردار
الشاحب قبالتي.
الشيح له كباقي الكائنات والأشياء
الأخرى لونه الذي لن تغريه جرعتي التايمزية، لن تخضعه لعملية تجميلية، على ذكر
التجميل أذكر أن السود في الستينات في أمريكا حاولوا تغيير شكل أنوفهم وشعرهم
لينسجموا مع البيض، كل اللعنات التي قيلت للشيح وبقعة الشيح لم تجعله أبدا يفكر في
الأمر، لأن الطبيعة لم تأبه لنيتشه حينما أراد أن يصحح أخطائها وحماقاتها، الشيح
غريب عن قومه، أقصد أن الشيح حكمة لم تؤتى لقومه، لا أريد أن أرهقك بالمقاصد، لك
أن ترهق الشيح بمقاصدك. لا أريد أن أنسى هذه الملاحظة: اللون أحيانا حكمتنا نحن
في معاملة الأشياء. أقصد أن الحياة "الشايحة" حكمتنا نحن في العيش،
نحن نقصد ذلك أحيانا، ونستمر، أو أن هذه اليبوسة شكل من الأشكال الموجودة،
وازدرائنا لها هل يشبه ازدراء الأقوياء للضعفاء؟.
عادة أمارس نوعا من اللامبالاة تجاه هذا النوع من الأسئلة. لأن الوجود بشتى
أنواعه لم يستأذن أحدا في أن يكون، ولا يحتاج إلى تصويت أو قرعة، أسخر معك قليلا
وأقول: لم اسمع بوجود قام باستفتاء ليظل أم لا داخل وحدة الوجود، أعنى Brexit. الأمر الذي أفكر فيه الآن هو
سعيي نحو رغبة جعل هذه الكلمة مثل شجرة جار الماء، تعتاده أو تألفه، لبعض الوقت
فقط، لا أريد تحويل الشيح إلى جار الماء، كلاهما سيد في نوعه، وكلاهما لم
يجبل على التطفل على غير شكله. هنالك لعبة بين الشايح والمبلل يحركها نزوع شهواني،
كيف أقحمت هذه الكلمة هنا، أعني كلمة "شهواني". ربما لأنني تذكرت موريس
ميرلوبونتي حين قال "الوجود شهواني في أصله".
أنا على وشك أن أقول أن الشيح
تحركه شهوة وتغمده أخرى. استعملت هذا الفعل "تغمده" لأن موطني نوميديا،
حين تقرأ التاريخ ستجد أن هراوات الدوناتيين كانت تغمد بين كومات الشيح. لا
تصدق كثيرا هذه الجملة فالكثير سيسألك كيف عرفت ذلك، لا أريد أن أهمش لك، أمقت
الحس الأكاديمي بالتاريخ. أذكر أيضا أن أمي كانت تعتني كثيرا بهذه النبتة، تواجه
بالشيح أي محاولة نحو الشيح. بإمكانك أن تواجه اليبوسة بأشياء اليبوسة ذاتها. حكمة
تتقنها أمي جيدا. تربته وجذوره ورائحته أشياء تحظى باهتمام لساني كبير من قبلها.
لها الكثير من السرديات والمجازات، لطالما كان الشيح أحد أطراف تشبيهاتها في وعيها
البلاغي بعوالمها.
دعني أغرق لك الأمر في وحل الفلسفة وأقول: أن الشيح يحدث في لغتها بنفس
الطريقة التي يوجد عليها في الطبيعة. أعلم أن فتجنشتاين سيسألني: هل تقصد الشيح
كنحو؟. نعم ألم تقل أنت أن علينا أن نحول الأشياء إلى نحو حتى تصبح موضوعا يمكن
فهمه. هذا ما أفعله تماما، الشيح كان نحوا عند أمي، لأنها كانت تستطيع أن
تخبرك ما الذي قد يعنيه هذا الشيء في عالم الأشياء. أرغب أن ألعب اللعبة نفسها مع
ابن جني، سأقول أن الشيح انتحاء للسمت، هل هناك دليل أو تفسير لهذا، أعتقد أن
لعبتي مع هذا النوع من النحو تنتهي عند هذه الخلاصة: الشيح نوع من الانتحاء
للسمت والسجية. لا أعلم إن كان كوانت ترانتينو Quantin Tarantino قد اهتم بهذه النبتة في فيلمه Unchained Jingo. لا تكترث لهذه الجملة الأخيرة،
أعتقد أن البريكولاج الذي أمارسه بهذه النبتة يتغذى من مناطق تشع بقوة في
ذاكرتي كالسينما مثلا. حتى أنني أستطيع أن أربط هذه النبتة بظرفنا ما بعد
الكولونيالي. سأقول لك أن الناس في تلك البيئة حولوا الشيح إلى صورة نمطية
وكليشهات ضد بعضهم البعض. الناس يصلون إلى أشيائهم في تلك البيئة بجسد لا يشبه تلك
البيئة. لست خبيرا في علم البيئة والإنسان، ولكنني على الأقل أستطيع أن أقول
بطريقة ثقافية أنني أؤمن بتصفية الجسد من الاستعمار. السمع والبصر والفؤاد كلها
أشياء نسأل عنها، أريد أن أقول أن الطبيعة هناك تسمع وتبصر وتملأ الفؤاد بطريقة
أمي فقط، تعجبني طريقتها. لم أشرح طريقتها جيدا ولكنني أحس أنك ستفهمني. قال تعالى
"وأصبح فؤاد أم موسى فارغا"، نعم الفؤاد الفارغ. ربما علينا التفكير في
استخلاص وجهة نظر من هذه الكلمات: الفؤاد الفارغ. أقصد وجهة نظر تفهمنا ذلك
الإنسان الذي حرر أرضه ليتحول إلى أكبر عدو لها ولأشيائها، لحماقة ما لا يريد أن
يشبهها.
نحن ننشأ الكثير من السرديات لكي نمنح للحياة المعنى الذي نريده، هذا
الفؤاد الفارغ أو هذه الفجوة بتعبير John Berger كبيرة جدا، أعلم أن الشيح نبتة
قابلة للتكديس لذا أحاول أن أكدس أكواما كبيرة منه في هذه الفجوة. كتابتي متقشفة
قليلا، أو محاولتي الفنية ترغب في ذلك كما يقول تشارلي تشابلين. لذلك أحاول أن
أستعمل الشيح كموضوع تعقل. لا أملك أشياء باهضة، لذلك أميل إلى الكتابة/البريكولاج
بتعبير كلود ليفي شتراوس حين قال بأن كل خطاب مجرد بريكولاج أو أننا نمتهن
البريكولاج: نستعمل الأشياء المحيطة بنا في فهمنا للعالم، حاليا لا يحيط بي الشيح
فأنا أجلس في الفسحة الخلفية لكنيسة واست منستر Abbey Westminster. الأشياء التي تحيط بك من الداخل
تنتصر دائما. سأتوقف هنا.
12.49
15.03.2017 Westminster Abbey

Commentaires
Enregistrer un commentaire