المجتمع والأسطورة: الفهم بمكعبات ثلجية ساخنة.
سنقول وداعا للتاريخ ونتظاهر بأننا سنخترع قصة حقيقة للعالم. هل هذه الجملة
مقنعة لاختراع أسطورة؟, ما الذي سنفعله بالأساطير؟، الكاتب والفيلسوف الروماني إميل
سيوران يرى أن:"الحضارة تبدأ دائما بأسطورة، وتنتهي عندما نشكّك في هذه
الأسطورة". أين قال فيلسوفك هذا؟، طبعا في كتابه "السقوط في الزمن". نعم... نحن فعلا نحتاج إلى السقوط في الزمن،
نريد أن نتلطخ به، مَلَلْنَا من التأنّق المفرط داخل الفراغ. ليس هذا ما أريد أن
أقوله لك بالضبط، أردت شيئا آخر يشبه ما قاله الكاتب الإيطالي نوتو ريفيلّي
من أن: الزمن يهشّم الواقع ويفتّته، وما يظلّ صامدا أمامه سيتحول إلى أسطورة. نريد
السقوط في الزمن لكي نكتشف ما سيظلّ صامدا فينا، هل ستجرّب معي هذا؟. أعلم أنه
يعزّ عليك أن تفارق (الشِّيَاكَةَ) التي اعتدتها في الفراغ. ولكن حاول أن تفهمي،
فالبعض يرى أن اجتثاث واقتلاع جذور أسطورة ما لن يتحقق إلا بالقضاء على بذرة تسمى
الإنسان. هل تريد أن تكون أنت هذا الإنسان؟. لا تجبني الآن. أخبرتك سابقا أنه من
السهل جدا أن نطرح أسئلة صعبة، سأدلّك على إستراتيجية ألمانية للتعامل مع هذا
السؤال: على الدولة دائما أن تخترع لنفسها مدينة فاضلة حينما تفقد الاتصال
بالأسطورة. لا أرغب في هذا النوع من المدن. بالعكس!!!. المدينة الفاضلة تشبه
الحمار الذهبي الذي كتب عنه الفيلسوف الجزائري أفولاي. سأعطيك اقتباسا من كتابه هذا كي تفهمني جيدا: "لقد
تعمدت أن أضع روثي أمام وجوههم حتى أجبرتهم على الرحيل". لا تتقزز، أردت أن
أخبرك بأن عليك أن تواجه الآخرين الذين يريدون اجتثاثك بما هو منك، وطبيعي فيك. ثم
لا تنسى أن هذا الحمار التقى ذات يوم بالإلهة مينيرفا، "أسلافك واعدوا أجمل
الآلهة". ولكنها مواعدة داخل الأسطورة؟، أجل أعلم هذا، أردت أن أخبرك أن
أسلافك كانوا يحسنون الاتصال بالأسطورة ليعودوا إلى آدميتهم ويتخلصوا من الحمار
الذي استنسختهم الإمبراطورية إليه.
لماذا لا نتحرى عن شخصياتنا الأسطورية؟، هل لأن ما يحدث في الأساطير مجرد
أشياء غير واقعية؟، أين حدث إذن؟...لا أعلم بالضبط. ربما على الشرطة أن تُحَقِّقَ فيما
يقع في الخيال ويخالف القانون؟. كل يوم في خيالنا نقتل أشخاصا، نخون آخرين،
نسرقهم، ندمرهم، نتآمر عليهم. الكثير من القضايا والملفات داخل الأساطير تمر هكذا
دون فتح تحقيق حولها، لا لسبب سوى أنها لم تحدث في الواقع. توقف أنت لا تفهمني، هل
انزعجت من ما فعلته الإمبراطورية بأسلافك؟. عندما تخترع قصة جديدة سيكون الأمر
شاقا، لأن عليك أن تتحرى عن حياة وقعت داخل الأسطورة. عليك أن تقبض على جميع
الأبطال الذي ولدوا هناك بداخلها، عليك أن تحاسبهم وتبحث في نزاهة مجدهم، عليك أن
تتحرى حول أموالهم ومزارعهم وعبيدهم ونسائهم، عليك أن تعرف جيدا أين تختبأ آلهتهم،
آلهتهم كما يقول لوشيوس أنايوس سينكا :"غادرت السموات وتركتها خالية
وسارت وراء الغزاة كالعبيد". عليك أن تحصي آلاف الجثث، بل الملايين منها هنا
وهناك وتستخرج البصمات منها عساك تدين بطلا منهم.
كل أمة تمتلك أساطير
تعمل كسرديات وطنية تكون بمثابة خريطة تكتشف من خلالها طريقا قديما سلكه الأجداد،
أو مدينة مهجورة ملئوها ذات يوم بالمسرات، أو حجرا لفيلسوف من أسلافها، أو سؤالا
كبيرا طرحوه ذات مرة. الأسطورة كما يقول البعض، لا يحكيها سوى الحكماء، ودون
ابتسامة حتى. هلاّ أخبرتني عن أسطورة من أساطير أسلافنا؟ أجل. أفولاي كان يقول: من
العسير جدا أن نحرس باستمرار الحب الذي سجناه. أعتقد أنهم قرروا إغلاق كل
السجون التي كان يقبع فيها الحب، وأطلقوا سراحه ليتحرش بهم ليلا ونهارا. أساطيرنا
مثل أي أسطورة تقليدية أو بدائية أخرى، لقد كانت تحرّض الإنسان على تجاوز الحدود
التي فرضت عليه، ولكن الفلاسفة يقولون أن الحدود حصينة ولا يمكن تجاوزها أو
ملامستها حتى؟. أجل ولكن الحرية كانت تُؤَمِّنُ رحلة الأسلاف خارج الحدود لتوقعهم
دائما في الأسطورة. أنت تبالغ!!! هم لم يفعلوا شيئا. أعلم. أنت تذكرني بعبارة لأوسكار
وايلد:"الفجور أسطورة اخترعها الشرفاء لشرح جاذبيتهم الغريبة للآخرين
الذين يستغلونها". هل تعلم ما الذي أريد أن أفعله بهذه العبارة؟. أريد أن
أقول لك أن التنكر أسطورتنا نحن الذين نعترف كثيرا، اخترعناها لكي نشرح للآخرين أن
أسلافنا تعلموا جيدا كيف يعيشون داخل الكلمات التي تحسن دائما كيف تنطقهم.

Commentaires
Enregistrer un commentaire