بورتريهات الدوناتي: فبركة أوغيسطينية الجزء الأول



                                                                                                    ترجمة: جمال بلقاسم

في نشيد الأناشيد في الكتاب المقدس ... تتحدث العروس إلى العريس، الكنيسة إلى المسيح. ... تقول العروس للعريس: "أخبرني، أنت الذي تحبه روحي ، عندما تغذي قطيعك، متى ستستلقي".  يجيب: "في الظهيرة".
أولاً، من المفيد إعادة النظر بصورة حاسمة في صورة الدوناتيين التي صاغها القديس أوغسطين. صور خصومه الذين قال عنهم أنهم أناس غير قادرين على فهم الكتاب المقدس، وبأنهم منافقون؛ أفعالهم السيئة مناقضة لكلماتهم الطيبة. قد تبدو هذه الصورة عن الحزب الدوناتي صورة أكثر جدلية من كونها صورة تاريخية حقيقية لخصومه. عبر التاريخ استمر الكاثوليكيون والدوناتيون باتهام بعضهما البعض  بأفعال سيئة ورهيبة. على سبيل المثال، كان ربط العدو مع الشيطان عبارة عن طوبوس (=toposالمكان) بلاغي تقليدي مستخدم من قبل كلا الجانبين. كما تم استخدام تهمة التقاضي (Traditio*) من قبل الكنيستين لتمييز الطرف الآخر. لم يكن أغسطين بمنأى عن ضد هذا الوضع: أعماله احتوت على اتهامات نمطية* ضد الدوناتيين. فهو لم يتوانى عن التلاعب بالتاريخ لتشويه سمعتهم، على سبيل المثال، تقديم قصة استشهاد الأسقفين ماركولوس (Marculus) ودوناتيوس بغاي (الواقعة بخنشلة) كحالتي انتحار، وفي الوقت نفسه، تبرئة الكاثوليك من تهمة قتلهما.[i] أراد أوغسطين أن "يعرقل" إعادة بناء التاريخي الدوناتي داخل للأحداث. لم يكن من الممكن أن يُقتل ماركولوس ودوناتوس بغاي بهذه الطريقة التي قالها الدوناتيون، لأن الرومان- كما زعم أوغسطين - لم يقوموا عادة بقتل السجناء بهذه الطريقة. بالنسبة لأسقف هيبو (Hippo=عنابة حاليا)، فإنه بعد التحقيق تبين أن  الدوناتيين قد انتحرا بالقفز من جرف، لم يكن أوغسطين يمانع  مناقشة موت ماركولوس ودوناتوس مع الدوناتيين: فقد كان يفضل أن يعفي الكنيسة الكاثوليكية من ذنبها وتعاونها مع روما لقتل اثنين من الأساقفة.
 تبدو صورة الدوناتيين التي وصفها أغسطينوس صورة عاجزة، حتى أن القراءة الصحيحة التي اقترحها هؤلاء لنشيد الأناشيد الوارد في الكاتب المقدس قدمها على أنها قراءة كاريكاتورية. أسقف هيبو رسم هذه الصورة لمجرد تشويه سمعة معارضيه وإخفاء تفسيرهم الحقيقي، الذي كان بالتأكيد أكثر صلابة وصعوبة من أن تلحق الهزيمة به. يبدو أنه ليس من قبيل المصادفة بعد ذلك في الموعظة (رقم 46) أن يخلق أوغسطين حواراً خياليا مع الدوناتيين. ولم يختر منهم خصما محددا مثل:بيتيليانوس Parmenianus بيرمينيانوس  Petilianus، جودونيوس Gaudentius أو كريسكونيوس Cresconius، الذين كانت أعمالهم وأطروحاتهم معروفة ومحققة.
الفرضية القائلة بأن الدوناتيين قاموا بتعديلات في خطهم اللاهوتي لتكييفه مع ردود أوغسطين فرضية تبدو غير معقولة. كان من الممكن أن تكون هذه تهمة جدلية قوية ضد خصومه، لكن أسقف هيبو لم يذكر ذلك على الإطلاق. قد يبدو هذا الصمت غريباً للغاية في نقاش حاد كان الهدف الوحيد منه هو إثبات أن الآخر كان خاطئاً.
القراءة النقدية لأعمال أوغسطين تحتاج إلى لتطبيق ما يسمى"هرمينوطيقا الشك" خصوصا تلك التي كانت ضد الدوناتيين، بسبب طبيعتها الجدلية العالية. القيام بذلك فيما يتعلق بالمقطع الرئيسي لنشيد الأناشيد سيمكّن القراء من تقدير المادة من وجهة نظر جديدة.
حياد أوغسطين عن مركز النقاش التفسيري:
          في رسالته للمدرسة الدوناتية لم يكن أوغسطين يناقش معنى (الظهيرة)، بل كان الجدال حول أي الكنيستين جديرة بهذا الوقت من النهار؟ (الجزائرية، النوميدية، الإفريقية أم الكنيسة الكاثوليكية الرومانية). في القسم الأول من الرسالة لا يذكر أوغسطين أي شيء عن التفسير الذي يقال بأن الدوناتيين قدموه وفيه تم قراءة إفريقيا كتربة فريدة توجد عليها الكنيسة الحقيقية. يبدو  إذن  أن الدوناتيين لم يستخدموا هذا المقطع الوارد في الإنجيل للإدعاء بأن إفريقيا هي الأرض الفريدة للكنيسة الحقيقية: استخدموه فقط لفصل كنيسة القديسين عن كنيسة الخونة في إفريقيا. في هذه الرسالة لا ينكر أوغسطين هذه القراءة: لذلك يبدو من المحتمل أن الدوناتيين يقرؤون نشيد الأناشيد (1 ، 6-7) كمؤشر محض على أن الكنيسة الحقيقية في أفريقيا.
بعد بضع سنوات (408-414)، حول أوغسطين مركز النزاع إلى معنى "الظهيرة=meridium كما نرى في الموعظة رقم 46. أسقف هيبو الذي قدم قبل بضع سنوات نسخة مختلفة عن تفسير الدوناتيين للمقطع، ادعى مجددا أن حزب دوناتيوس قرأ مصطلح "الظهيرة" كمؤشر على التربة الأفريقية كأرض فريدة توجد عليها الكنيسة الحقيقية. من الصعب الاعتقاد بأن أوغسطين قد أساء فهم التفسير الدوناتي لنشيد الأناشيد. فقد كان يتناقش في كثير من الأحيان مع ممثلي الطرف الدوناتي  وطيلة سنوات. كان يعرف جيدًا عمل بارمينيانوس بالإضافة إلى أعمال  بيتيليانوس و كريسكونيوس و تايكونيوس و جودونتيوس. من الصعب جدا أن نقول أن الخط التفسيري الدوناتي لنشيد الأناشيد لم يتشاركه  أي واحد من اللاهوتيين الدوناتيين الرئيسيين أو لم يصل إليه على الأقل. ولما لم ينسب أوغسطين هذا التفسير الغريب إلى أي مفكر واحد منهم؟ ربما لم يدعم أي من الأساقفة الدوناتيين هذا التأويل: في الواقع ، ربما يمكن أن يكون مجرد تلفيق وضعه القديس.
في موعظته (رقم46) يستخدم أوغسطين استعارة "الدوناتي"، شخصية بلا اسم. ولكنها تدل على الحركة بأكملها. تقدم التفسير الرسمي لنشيد الأناشيد. في حديثه عن هذا الدوناتي الذي لم يسمه يحاول أوغسطين أن يدافع عن نفسه ضد تهمة الفبركة التي قد تأخذ كحجة عليه من قبل هذه الحركة، ولكن جميع الأساقفة الذين يعرفهم أوغسطين لم يؤيدوا قط هذا التفسير الذي ادعاه.  في الواقع ، نعتقد أن الدوناتيين كانوا سيقرؤون المقطع الإنجيلي كنص مفيد لإثبات أن الكنيسة الحقيقية كانت في إفريقيا وليس أن الكنيسة الحقيقية كانت فقط في إفريقيا. حوّل أسقف هيبو مركز النقاش إلى مصطلح  الظهيرة "meridium" للإطاحة بالدوناتيين، للزعم بأنهم كانوا جاهلين حينما رأوا أفريقيا كوقت للظهيرة أين سيرتاح الراعي (المسيح=الرب مع أغنامه=رعاياه). بهذه الطريقة قوَّض أوغسطين  التفسير الدوناتي للكنيسة الحقيقية. وإذا كنت هذه الخلاصة صحيحة، فيمكننا أن نقول أن  أسقف هيبو حاول إعادة صياغة التفسير الدوناتي من أجل زعزعة استقراره بشكل أفضل.

استحداث نواة جديدة للنقاش: الحوار بين العريس والعروس.
في قرائته لنشيد الأناشيد، يركز أوغسطين اهتمامه على تفسير الرد المقدم من قبل  العريس (الرب) على طلب العروس (الكنيسة) التي تطلب منه منحها أمارة للعثور عليه. أغسطينوس يقرأ المقطع الإنجيلي بطريقة تدين الحزب الدوناتي. في الواقع لا يمكن قراءة كلمات الراعي من ناحية سلبية فقط كإدانة للعروس، ولكن يمكن أيضا أن ينظر إليها على أنها إشارة للمرأة للعثور عليه. يدعو العريس العروس إلى "معرفة نفسها"، ويبدو أنه يتوقع من العروس أن تتمكن من الإجابة. إذا لم تكن قادرة ، أو إذا كانت مرتبكة ، فإنه ينصحها باتباع خطى القطعان المؤدية إلى خيمة الراعي (tabernaculis pastorum).
نقترح أن التعبير النهائي المستعمل من قبل العريس- tabernaculis pastorum- والتأويل البديل لشخصية الراعي قد يكون مفيدا في تحديد أي الكنيستين كنيسة المسيح: الدوناتية أم الكاثوليكية؟ .
يعتزم  أوغسطين في الموعظة (رقم46) توضيح قراءة حزقيال 34*. من خلال الوعظ الذي قدمه بشأن "الرعاة السيئين". أوغسطين بارع في الخطابة وبإمكانه أن يستخدم سجلات لسانية قادرة على تأدية المعنى بطرق مختلفة. عندما كان يلقي خطبته كان يعلم أن كلماته قد تثير الانتباه إلى الأحداث الدائرة في بلده إفريقيا. لذا كان بإمكان الكاثوليك أن يفهموا "الرعاة السيئين" الذين قتلوا الأغنام الصالحة كصورة إما للدوناتيين- "الشهداء المزورين"- وإما للحوامين أو الدَّوارين أو الجبليين (Circumcelliones). كثيراً ما اتهم الكاثوليكيون الدوناتيين، ولا سيما "الدوارين"، بالعيش بشكل سيء: فقد كانوا يصورون في كثير من الأحيان كمشردين لا يعملون. يتجولون مع الفتيات العازيات، وينامون معهن خلال الليل. أوغسطين يتهم "الرعاة السيئين" بإعطاء أمثلة سيئة، وعدم تحذير قطيعهم من التجارب الموجودة في هذا العالم. عندما يتحدث أغسطينوس عن تقليد معاناة المسيح، من الممكن أن نرى حجة جدلية واضحة ضد الاستشهاد الدوناتي: فبسبب قضيتهم الكاذبة، كما يزعم، فإن ألمهم لا يمنحهم استشهادًا حقيقيًا، أو تقليدا حقيقيا لمعاناة المسيح. وهكذا فإن هؤلاء الرعاة السيئين لم يهيئوا قطيعهم لتقليد المسيح.




*  شكل من أشكال نقل الحيازة. ملاحظة المترجم
*  الصور النمطية: الصورة النمطية تمثيل بسيط و لكنه حيوي،  يختزل الأشخاص في مجموعة من الصفات، التي غالبا ما تكون  ذات طابع هشٍّ وسلبي، كما أنها شكل تمثيلي يُجَوْهِرُ الآخرين من خلال عملية السلطة. بمعنى أنها توحي بأن مقولة معينة لها خصائص فطرية و كونية، وهذه الخصائص تمثل جميع ما يكون عليه الشخص أو ما يمكن أن يكونه. و عادة ما تأخذ الصورة النمطية شكل فكرة عرفية مبنية وفق صيغة جامدة في صورة مبتذلة توجه وتتحكم في الناس. القوالب النمطية تنطوي عادة على إسناد صفات سلبية لأشخاص مختلفين عنا، وهي عملية تشير إلى اشتغال السلطة داخل هذه القوالب. و دورها يتمثل، بشكل خاص، في استبعاد المغايرة داخل النظام الاجتماعي و الرمزي و الأخلاقي. لأنها تتعلق عادة بأولئك الذين تم استبعادهم من النظام "العادي" للأشياء. و في نفس الوقت تحدد من نكون "نحن" ومن يكونون "هم". ملاحظة المترجم

[i]  - المندوبية الإمبراطورية بقيادة  ماركاريوس (Marcarius):كانت مهمته الأساسية تقديم تبرعات من الإمبراطور كونستانس، في شمال أفريقيا (الجزائر)، في محاولة لإنهاء الانقسام بين الدوناتيين والكاثوليك. لكن الدوناتيين المحليين قاوموا هذا الوفد الرسمي وبمساعدة من قبل الدَّوَارِين (Circumcellion)  من المناطق المحيطة نشبت ثورة بينهما. انتشرت الشائعات عن سماع صراخ الثوار وهم يقولون"ما الذي سيفعله الإمبراطور للكنيسة".أوبتاتوس الميلافي (ميلة)  ذكر أن الدوناتيين هم من بدأوا أولاً مما دفع الجنود الرومان إلى الانتقام عبر الذبح لجماعات الكنيسة المحلية. تم تنظيم لقاء مع الدوناتيين، لكن المندوبين ربطوا الأساقفة المحليين بالسلاسل وجلدوهم ، وبعد أيام قُتل الأساقفة، قُذف دوناتوس بغاي أسفل بئر وماركولوس قبالة منحدر. هناك من رأى أن هذه الأفعال كان يقوم بها الجنود دون أوامر من مَارْكَارْيُوسْ. ولكن في كلتا الحالتين ، وضع ماركاريوس معسكراً في مزرعة إمبراطورية قريبة، وقمع الثورة خلال الأشهر التالية. غير مميز بين أحد. بعد الأحداث التي وقعت في باغاي (تقع في ولاية خنشلة حاليا) ، أصبح الانشقاق بين الكاثوليك والدوناتيين مستعصيًا على الحل. ولا ننسى أبدا أن الدوناتيين منذ هذه الحادثة لم يعودوا يثقون  بالفصائل الكاثوليكية مرة أخرى. وأصبح النزاع أكثر عنفا على مدى العقود القادمة. دوناتوس باغاي اعتبر من قبل الدوناتيين  شهيدا ووضع له ضريح  ولغيره من القتلى في بغاي. لا يجب أن ننسى التفريق بين دوناتيوس بغاي عن مواطنه الآخر دوناتيوس النقريني، الذي أسس المذهب الدوناتي. وعن مواطنه الآخر أيضا دوناتيوس القالمي. ملاحظة المترجم.
* حزقيال 34 هو الفصل الرابع والثلاثون من كتاب حزقيال في الكتاب المقدس العبري أو العهد القديم من الكتاب المقدس المسيحي. يحتوي هذا الكتاب على النبوات التي يتحدث بها النبي حزقيال، وهو جزء من كتب الأنبياء.
المصدر:     
                                                                                                                                                                                                                                                                               AUGUSTINE’S REPRESENTATION   
                                                               AND REFUTATION OF THE DONATIST EXEGESIS OF SG.1-6-7                                                                  
                                                                                                                                     



Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

من فلسفتي: المثلث الأنطولوجي ومرحلتنا الراهنة من تاريخ البشرية.

موسوعة ما بعد الحداثة: مقاربات حول المفاهيم

المسار اللاسلطوي للهرمينوطيقا