ما بعد الحداثة وموت الذات. الجزء الثاني
ترجمة/ جمال بلقاسم.
"الأيديولوجيا تجلب الأفراد إلى
العيان كذوات" ، لويس ألتوسر[1].
كان لويس ألتوسر منظّرًا
للحزب الشيوعي الفرنسي في الستينيات والسبعينيات. كما أنه كان محاضرا في المدرسة العليا
بباريس مع فوكو ودريدا. كان مهتما مثلهما بالإطاحة بتقديس الذات وتفخيمها. في مقاله
"أجهزة الدولة الأيديولوجية" الذي صدر عام 1970، ناقش ألتوسر مسألة
أن "الأيديولوجيا لها وظيفة" إيجاد وتشكيل "الأفراد كذوات"[2].
كان يقصد أن الذات أثر للأيديولوجيا، وليس العكس. قد يكون التفكير العادي هو أن الأشخاص
-الذوات - يمتلكون أفكارا، أو ربما بشكل أكثر سخرية أن الأيديولوجيا مفبركة لخداع هذه
الذوات وتزييف ظروفها الحقيقية. لكن ألتوسر ذهب إلى أبعد من هذا. حيث يقول أن الأيديولوجيا
لا تضلّلك فقط عندما تجعلك تفكر في أشياء مثل "هذه الحرب حرب وكفى"،
أو أن "الأثرياء عملوا بجد للوصول إلى ما هم عليه". ألتوسر يرى بأن فكرة المرءِ نفسهُ كذات مؤلفة مصيرها
هي وهم ترعاه الأيديولوجيا بداخلنا.
حجة ألتوسر تجسد التفكير الذي يرى أن الذات محدودة اجتماعيًا.
بمعنى آخر، الذات
غير سابقة للمجتمع ولا توجد قبله. وهذا المجتمع ليس عقدًا بين الذوات. بل هذه الذات
تدين بشكل كامل في وجودها للنظام الاجتماعي. عندما يُنْظَر إلى الذات على أنها أثر
عرضي للمجتمع، عندئذٍ تنكشف الذاتية على أنها حَيْزِيَّة وليست عالمية. الذين يرون
أن الذات محدودة تاريخيا يسهلون علينا أن نراها محدودة اجتماعيا كذلك. وبما أن الذات
نتاج للمجتمع، هل هذا سيوقعها هذا في الوهم، أم أن الذات يجب أن تخضع للمجتمع؟
هل يستتبع ذلك استبعاد بعض الشرائح المجتمعية وتجريدها من حقوقها وعن حالة ما تسمى
الذاتية، كأن يقال بأن العنب فسد بعضه، وأن الذاتية نفسها يجب أن يتم إبطالها؟.
يتذكر ألتوسر قائلا: "في النظرية الماركسية اكتشفت نظامًا
فكريًا اعترف بأسبقية النشاط البدني والعمالي". "اكتشفت في الأخير أسبقية
الجسد واليد كأداة لتحويل أية مادة"[3]. "شكلت فيما بعد وصفًا
خاصا بي للتاريخ كعملية تسير دون ذات"[4]. ألتوسر رأى بأن ماركس قد اقترح سيرورة بيولوجية
مرتبطة بالنشاط الجسدي. وهذا سيكون في الواقع سيرورة خالية من الذات. ولكن لجعل ماركس
عباءة للعملية التاريخية التي تريد أن تكون دون ذات، كان على ماركس أن يكون هو
نفسه مصمم أزياء ليلائم نفسه بنفسه. ولكن لسوء الحظ، فإن كتابات ماركس كانت مشبعة بمعاني
الذات التاريخية، وإن كان ذلك على الأقل في مرحلة التشكيل. أضف إلى أن الموضة في الأوساط
الماركسية في ذلك الوقت، التي تأثرت بشدة بالسياسة الماركسية الرسمية للاتحاد السوفيتي
"الشيوعي" في الشرق، كانت تشدد على فكرة ماركس "الإنساني".
ألتوسر حدس هذا التهافت وفسر أن التركيز على نزعة ماركس الإنسانية
من قبل الأيديولوجيين السوفييت الرسميين قد شكلته الضرورات السياسية للدولة الروسية.
فقد سعت السياسة السوفيتية من خلال "التعايش
السلمي" إلى كسب الوقت لروسيا لبناء اقتصادها، وتكوين صداقات بين المثقفين الغربيين كحاجز لتعطيل
النقد. بصفته عضواً في حزب له صلات أخوية بالاتحاد السوفييتي، كان على ألتوسر أن يضع
انتقاداته بحذر وبحصافة داخل الخلافات الفلسفية.
ملاحظة تهكمية كتبها متسائلا: "حتى إذا لم تكن النزعة الاشتراكية الإنسانية
موضوعًا مطمئنًا وجذابًا، فإنها ستسمح على الأقل بإجراء حوار بين الشيوعيين
والديمقراطيين الاشتراكيين، أو حتى تبادلا واسعا لمسائل مشتركة مع "رجال النوايا
الحسنة" الذين يعارضون الحرب والفقر".اليوم، يكمل ساخرا:"الطريق الإنسانوي المتسامي
يبدو أنه سيؤدي إلى الاشتراكية في النهاية"[5].
ثم، كتأنيب للإنسانوين، يضيف ألتوسر: "في الواقع كان
هدف النضال الثوري هو نهاية الاستغلال وبالتالي تحرير الإنسان، ولكن كما توقع ماركس،
أخذ هذا النضال في مرحلته التاريخية شكل صراع بين الطبقات"[6].
ألتوسر زعم أن ماركس رأى أن النزعة الإنسانية التي تحتضن البشرية جمعاء هي أسطورة لن
تنجح إلا إذا أعيد النظر في الاختلافات الطارئة بين الطبقات، المُسْتَغِلِّين والمُسْتَغَلِّين:"
لقد أزاح
[ماركس] المقولات الفلسفية للذات ... من جميع المجالات التي كانت تسودها. ليس فقط من
الاقتصاد السياسي (رفض أسطورة إنسان الاقتصاد (homo economus)، فرد مزود بكليات واحتياجات
محددة كذات للاقتصاد الكلاسيكي)، وليس فقط من التاريخ (رفض الذكورة الاجتماعية والمثالية
الأخلاقية-السياسية) وليس فقط من الأخلاق (رفض الفكرة الأخلاقية الكانطية) ولكن أيضًا
من الفلسفة نفسها: تستثني مادية ماركس تجريبية
الذات (وحتى نظيرتها: الذات المتعالية)"[7].
يجد ألتوسر في ماركس رفضًا للذات البرجوازية المرتبطة بالاقتصاد
والأخلاق الليبرالية. إنه فهم بحق أن ماركس هو الذي أوضح أن النزعة الإنسانية كذبة
صممت لتغطية الاختلافات.
لكن ألتوسر حمّل ماركس
أكثر مما يجب أن يتحمله عبر تأويلاته. ماركس انتقد الذات البرجوازية بسبب محدوديتها.
لم يهدف إلى إلغاء الذات التاريخية تمامًا. وتوصيف ألتوسر "لمعاداة ماركس النظرية
للنزعة الإنسانية"[8].كان
توصيفا في غير محله. وكما فهم
ألتوسر فإن ماركس "استيدل الزوجين
القديمين: الأفراد/ الجوهر الإنساني، في نظرية التاريخ بزوج جديد" وبالمفاهيم
غير الشخصية التي لم تكن مناسبة (قوى الإنتاج ، وعلاقات الإنتاج، وما إلى ذلك)"[9].
ومع ذلك، لم يكن المقصود من المصطلحات النظرية لماركس
شطب الفعالية الإنسانية، وإنما لتسليط الضوء على العوائق التي تحول دون تحقيقها بالكامل.
لكن معرفة ألتوسر بالماركسية، على الرغم من سمعته، كانت على أقل تقدير، غير واضحة،
كما اعترف هو في مذكراته[10].
في الواقع، كان المحفز
الكامن في المعركة ضد الذات مستمداً من الذين عاصروا ألتوسر، ولم يكن بسبب الماركسية
التي تبناها[11].
رواية ألتوسر عن تشكيل الذات الأيديولوجية بعيدة كل البعد عن
الحس المشترك. إنه يرى أن خلق الذات وجه من أوجه القمع، وليس التحرر. المثال الذي يقدمه
في "أجهزة الدولة الإيديولوجية" عن هذا التفسير هو رجل الشرطة، التحية
"مرحبًا أنت"، تنشئ بدورها
هذا الضمير "أنت"، المارة يجيبون على التحية. وتقبل حالة المخالفة المسجّلة.
يصبح التماهي هنا فعلًا قمعيًا، بدلاً من الاعتراف بالذات بشكل مجاني. في المقابل،
فإن شروط الاعتراف الذاتي فيما يراه ألتوسر شروط تفرض من الخارج؛ تفرض هوية معينة بدلاً
من تحرير ذات الشرطي. تم تناول فكرة تشكيل الذات كقمع على نطاق واسع. يعطي ميشيل فوكو
رواية تاريخية مثيرة للقلق حول تشكيل الذوات الحديثة في كتبه "ولادة العيادة"
و"الانضباط" و"المعاقبة". المؤسسات الحديثة بَدْأً
بالسجن ومرورا بالمدارس والمستشفيات كلها شاركت في تأديب الأجساد من خلال تقنيات المراقبة
والمقابلة. النظرة السائدة والجديدة لهذه السلطات تعمل على تحويل الفرد، مما يجعله
ذات مذنبة وتحت اعتمالات الضمير
في كتابها:الحياة النفسية للسلطة: نظريات في التذويت (كيف
تصبح الذات ذاتا)، طورت جيوديث بتلر التفسير "المتناقض"
لـ "التذويت". "إذا اتبعنا فوكو، فإننا سنفهم السلطة على
أنها تشكيل للذات"، تقول: "القوة تفرض نفسها علينا، وتضعف بقوتها
هي في حد ذاتها، ونحن نستوعب أو نقبل شروطها". "السلطة، التي تظهر
لأول مرة على أنها خارجية، تضغط على الذات، وتزيد من ضغطها عليها حتى تهمشها، وتفترض
شكلاً نفسانياً يشكّل الهوية الذاتية للذات". إن تبطين "خطاب"
السلطة هو الذي يخلق الذات. "يعتمد التذويت على الخطاب"[12].
وهذا ما قاد فوكو للتحدث عن "الإنتاج الخطابي للذات"[13].
بتلر تطرح السؤال الآتي: "كيف يمكن أن تكون الذات،
التي تعتبر شرطًا للفعالية، أثرا للتبعية، وخالية من الفعل في الوقت نفسه؟"[14].
الجواب الأول هو أن النظرية تعتمد على اللعب بالكلمات. تحتوي
كلمة "Subject" (الذات) على معنيين. يمكن أن تعني الطرف النشط، الذات في العبارة:
"ألقى الكرة"، التي ترتبط بالمعنى الأوسع للذات الحاملة للحقوق (حق
رمي الكرة)، ذات فاعلة بشكل حر. ويمكن أن تكون الذات بمثابة فعل معناه الفرض والتحتيم،
كما في عبارة "أخضعه للتعذيب". أو يمكن أن تكون الذات اسم لأولئك
الذين يخضعون لحكم الملك[15].
كل هذه المعاني المنفصلة متصلة فيما بينها. الكلمة تأتي من المفردة اللاتينية (jacere)، التي تعني الرمي أو الإلقاء،
وتم توسيع معناها لتعني "ممارسة السلطة"[16].
ومع ذلك، فإن المعنى
المتغير للذات في لعبة بتلر بالكلمات، له أصله في التغييرات الاجتماعية[17].حيث
لم يمارس سوى قلة من الناس السلطة، كانت تلك السلطة بالنسبة لمعظمهم، تجربة للقهر-
أي المستفيدين من
ممارسة السلطة-. التذويت التاريخي للسلطة السيادية والرقابة الديمقراطية يعطياننا المعنى
الأكثر معاصرة للذات كسيدة لمصيرها. والمعنى الحديث يحمل المعنى الأقدم في داخله، بمعنى
أن الكلمة لا تزال تعني شيئًا مثل القهر، لكن المعنى الآن مرتبط بالتحكم في الظروف
بدلاً من الناس[18]. غير أن
هذا الأثر الطويل الأقدم للمعنى هو ما تريده بتلر.
[1] . ‘Ideological State
Apparatuses’, in Slavoj Zizek (ed), Mapping Ideology, London: Verso, 1994, p128
[2] . ‘Ideological State
Apparatuses’, in Slavoj Zizek (ed), Mapping Ideology, London: Verso, 1994, p129
[3] . The Future Lasts a
Long Time, London: Vintage, 1994, p215
[4] . The Future
Lasts a Long Time, London: Vintage, 1994, p218. Althusser’s italics.
[5] . For Marx,
Harmondsworth: Penguin, 1969, p221
[6] . For Marx,
Harmondsworth: Penguin, 1969, p221
[7] . For Marx,
Harmondsworth: Penguin, 1969, p228. Althusser’s italics.
[8] . For Marx,
Harmondsworth: Penguin, 1969, p229. Althusser’s italics.
[9] . For Marx,
Harmondsworth: Penguin, 1969, p229.
[10]. ‘I became obsessed
with the terrifying thought that these texts would expose me completely to the
public at large as I really was, namely a trickster and a deceiver ... who knew
almost nothing about ... Marx ... I had only seriously studied Book I of
Capital in 1964’ The Future Lasts a Long Time, London: Vintage, 1994, p148
[11] . The Future Lasts a
Long Time, London: Vintage, 1994, ‘I had read Heidegger’s Letter to Jean
Beaufret on Humanism, which influenced my arguments concerning theoretical
antihumanism in Marx.’ P176. ‘The letter on humanism’, in which Heidegger
denounces Jean-Paul Sartre’s humanism is reproduced in the Basic Writings.
[12] . Judith Butler, The
Psychic Life of Power: Theories in Subjection, Stanford: University Press,
1997, p2-3
[13] . Judith Butler, The
Psychic Life of Power: Theories in Subjection, Stanford: University Press,
1997,p5
[14] . Judith Butler, The
Psychic Life of Power: Theories in Subjection, Stanford: University Press,
1997,p10
[15] . The British Labour MP Tony Wright
makes this play on words in the title of his book Citizens or Subjects without
even realising what he is doing.
[16] . Oxford Dictionary
of English Etymology, ed CT Onions, Oxford: University Press, 1985
[17] . English philosopher
TH Green suggests that the different meanings are national. ‘English writers
commonly call that the subject of a right that Germans would call the object.’
, Lectures on the Principles of Political Obligation and other writings, Cambridge:
University Press, 1986, p180
[18] . The word
‘sovereignty’ carries a similar history, where the original exercise of
sovereignty was restricted to the Prince, its universalisation suggests to
some, like Tony Wright in his Citizens or Subjects, that the sovereign power of
the elected assembly is simply despotism to the nth power.




Commentaires
Enregistrer un commentaire