السخرية كشكل من أشكال الإيديولوجيا. سلافوي جيجك
ترجمة جمال بلقاسم
ربما يكون التعريف الأوحد للأيديولوجيا قد ورد في
كتاب ماركس رأس المال:"إنهم لا يعلمون ولكن يفعلون". ينطوي مفهوم
الأيديولوجيا ذاته على نوع من السذاجة التأسيسية واللازمة: عدم إدراك الافتراضات المسبقة
الخاصة به، وظروفه، والمسافة والتباعد بين ما يسمى بالواقع الاجتماعي وتمثيلنا المشوه،
ووعينا الخاطئ به. لذلك يمكننا أن نخضع هذا الوعي الساذج إلى إجراء نقدي أيديولوجي.
الهدف من هذا الإجراء هو قيادة الوعي الأيديولوجي الساذج إلى نقطة يستطيع فيها التعرف
على ظروفه الخاصة، والواقع الاجتماعي الذي يشوهه، ومن خلال هذا الفعل يستطيع هذا
الوعي أن يفكك ذاته.
في
الإصدارات الأكثر تطورا لنقد الأيديولوجيا - التي وضعت من قبل مدرسة فرانكفورت، على
سبيل المثال – ليس الأمر مجرد مسألة مرتبطة برؤية الأشياء (أي الواقع الاجتماعي] كما
هي في الواقع، أو رمي نظارات الأيديولوجيا المشوهة، النقطة الأساسية هي أن نرى كيف
أن الواقع نفسه لا يمكنه أن ينتج ذاته بدون هذا الغموض الأيديولوجي. القناع لا يخفي
ببساطة الحالة الحقيقية للأشياء. التشويه الأيديولوجي مكتوب في جوهره. نجد، من ثمة،
مفارقة مظهرها يتجلى في أن كائنا لا يمكنه أن ينتج ذاته إلا كان مشوها: في
اللحظة التي نراه "كما هو حقاً"، يذيب هذا الكائن ذاته في العدم، أو بتعبير
أدق، يتحول إلى نوع آخر من الواقع. لهذا السبب يجب علينا تجنب الاستعارات البسيطة المرتبطة
بإزاحة الأقنعة، والتخلص من الحجاب الذي من المفترض أن يخفي الواقع العاري. يمكننا
أن نرى السبب الذي جعل لاكان، في ندوته حول أخلاقيات التحليل النفسي، ينأى بنفسه عن
البادرة التحريرية المتمثلة في القول أخيرا أن "الإمبراطور ليس له ملابس".
المسألة، كما يقول لاكان، أن الإمبراطور عار تحت ملابسه فقط، لذا إذا كانت هناك إيماءة
غير مقنعة من التحليل النفسي، فإنها أقرب إلى نكتة ألفونس أليهْ الشهيرة، نقلاً عن
لاكان: شخص ما يشير إلى امرأة و ينطق وقد أجهش ببكاء مروع، "انظر إليها، يا
له من عار، تحت ملابسها، عارية تمامًا".
لكنَّ كلَّ هذا معروف:
إنه المفهوم الكلاسيكي للأيديولوجيا كـــــــــــ "وعي زائف"، خطأٌ
في التعرف على الواقع الاجتماعي الذي هو جزء من هذا الواقع نفسه. سؤالنا هو: هل لا
يزال مفهوم الأيديولوجيا هذا كوعي ساذج ينطبق على عالم اليوم؟. هل لا يزال شغالا
في أيامنا هاته؟. في كتابه "نقد العقل الساخر"،
وهو أفضل الكتب مبيعاً في ألمانيا ، يطرح بيتر سلوترديج أطروحة مفادها أن الأسلوب
المهيمن في اشتغال الأيديولوجيا هو الأسلوب الساخر، مما يجعل النقد التقليدي للأيديولوجيا
إجراء عبثيا. إن الذات الساخرة تدرك تمامًا المسافة بين
القناع الأيديولوجي والواقع الاجتماعي، لكنها لا تزال تصر على القناع. الصيغة، كما
اقترحها سلوترديج، ستكون حينئذ:"إنهم يعلمون جيدا ما يفعلونه، لكنهم لا يزالون
يفعلون ذلك". لم يعد العقل الساخر ساذجًا، بل هو
تناقض في الوعي الزائف المستنير: المرء عرف الخطأ بشكل جيد جدًا، ويدرك تمامًا المصلحة
المخبأة وراء عالمية أيديولوجية ما، ولكن لا أحد يستطيع التخلي عنها.
يجب أن نميز هذا الموقف
الساخر بصرامة عن ما يدعوه سلوترديج بالتهكم التخريبي (Kynicism)، الذي يمثل الرفض الشعبي والسوقي للثقافة الرسمية عن طريق التهكم
والارتياب. إن الإجراء الكلاسيكي التهكمي هو مواجهة العبارات المثيرة للشفقة للأيديولوجيا
الرسمية الحاكمة - نغماتها الرسمية الخطيرة، مع الإساءة اليومية وإرغامها على أن تكون
موضوعا مستهزأ به، وبذلك تكشف خلف تلك النبالة المتسامية العبارات الأيديولوجية التي
تخبئ المصالح الجشعة، والعنف، المطالبات الوحشية بالسلطة. هذا الإجراء نفعي أكثر
من كونه حجاجي. إنه يفسد اقتراحا رسميا عبر مواجهته والوضعَ الذي نطق فيه؛ إنه يشرَّع
في العمل (على سبيل المثال ، عندما يبشر السياسي بواجب التضحية الوطنية ، فإن التهكم
يكشف عن المكاسب الشخصية التي يحققها السياسي من تضحية الآخرين).
السخرية إجابة للثقافة
الحاكمة على هذا التخريب المتهكم: فهي تدرك، أنها تأخذ بعين الاعتبار، المصلحة الخاصة
وراء العالمية الأيديولوجية، والمسافة بين القناع الأيديولوجي والواقع، لكنها لا تزال
تجد أسبابًا للاحتفاظ بالقناع. هذه السخرية ليست مكانًا مباشرًا للفجور، إنها أشبه
بالأخلاق نفسها التي تدخل في خدمة الفجور- إن نموذج الحكمة الساخرة هو تصور الاستقامة
والنزاهة، كشكل من أشكال خيانة الأمانة العليا، الحقيقة كشكل أكثر فاعلية للكذب. وبالتالي
فإن هذه السخرية هي نوع من "إبطال نفي" الأيديولوجيا الرسمية: تواجه التخصيب
غير القانوني ، والسطو ، ورد الفعل الساخر يتمثل في القول بأن التخصيب القانوني أكثر
فعالية ، ومحمي من قبل القانون. هذا الرد الساخر يضعه بيرتولت بريخت في أوبراه
الثلاثية: "ما سرقة البنك مقارنة بتأسيس بنك جديد؟".
من الواضح، إذن، أنه في
مواجهة هذا العقل الساخر، لم يعد النقد التقليدي للأيديولوجيا شغالا. كما لم يعد باستطاعتنا
تعريض النص الأيديولوجي إلى "قراءة أعراضية" (مليئة بالإحساس بالسوء)، ومواجهته
عبر بقعه الفارغة، ومع ما يجب عليه قمعه لتنظيم نفسه، والحفاظ على اتساقه-العقل الساخر
يأخذ هذه المسافة في الحسبان منذ البداية. إذن هل القضية الوحيدة التي تركت لنا لتأكيد
أننا، مع حكم العقل الساخر، نجد أنفسنا في ما يسمى بعالم ما بعد الأيديولوجيا؟ حتى
أن أدورنو ذاته توصل إلى هذا الاستنتاج، بدءاً من الافتراض أن الأيدولوجيا مجرد نظام يدعي الحق - أي ليس مجرد كذبة بل كذبة
مجربة كحقيقة، كذبة تتظاهر بأنها ستؤخذ على محمل الجد. لم تعد الإيديولوجيا الشمولية
تحتفظ بهذا الإصرار. لم يعد هذا المقصد يؤخذ على محمل الجد حتى من قبل مؤلفيها- وضعها
هو مجرد وسيلة للتلاعب، خارجية وأداتية بشكل محض؛ ضمان حكمها لا يتم بقيمة حقيقتها
بل عن طريق العنف الإيديولوجي الإضافي والوعد بالنصر.
هنا ، في هذه المرحلة،
يجب إدخال التمييز بين العَرَض والفونتازم (المشاهد الخيالية التي تبنيها الذات وتكون
هي البطلة دائما) من أجل إظهار كيف أن فكرة العيش في مجتمع ما بعد أيديولوجي فكرة تسير
بسرعة أقل من اللازم: العقل الساخر، مع كل انفصاله الساخر، لم
يمس المستوى الأساسي للفونتازم الأيديولوجي، وهو المستوى الذي تقوم عليه الأيديولوجيا
بتكوين الواقع الاجتماعي ذاته.
المصدر:
Zizek,
Slavoj. The Sublime Object of Ideology (London; New York: Verso, 1989), pp.
28-30.


Commentaires
Enregistrer un commentaire