المجتمع والأسئلة: فكك "نعم" و"لا" وتظاهر بأنك أضعت البراغي.
جمال بلقاسم ;written By
تخيّل
أنك تقول نعم وأنت لا تعلم أصلا ما هو السؤال المطروح، الأمر يشبه تماما
طريقةً ما في تحاشي الأسئلة التي لم تُقَلْ أصلاً. أو على رأي بول فاليري:"الأسئلة
تمثل الجانب الإنساني فينا، والإجابات تعدّ الجانب الأكثر إنسانية فينا". الإنسانية
المفرطة نزوعٌ مستمر نحو الإجابة، أعتقد أن هذا ما تريده بالضبط؟، أنت كائن يبحث
عن الخير بتقدير آخر، فاليري، مرة أخرى، يعتقد أن الشرّ هو السؤال، والخير
لا يسكن سوى الإجابات. أنت تحاول أن تضع عنقا مصطنعة فوق جسد كل سؤال كي تعيد
ابتلاع الشر الذي يحاول أن يطرح نفسه في كل مرة، كأنك تحاول أن تتحول إلى نوع من
الفارمكون (العقار) الذي يعمل على تعديل حموضة الواقع المرتفعة. لن أزّج بك في
متاهة من المجازات، أردت أن أخبرك أن مقدار الخير والشر داخل مجتمع ما يتعلق في شقٍّ
منه بما ينشئه هذا المجتمع من أسئلة وأجوبة.
من
أين تأتي الأسئلة؟، حاول أن توافق معي على هذا السؤال مبدئيا، الأسئلة لا تحتاج إلى
تذاكر باهضة، كتذاكر الدرجة الأولى، الأسئلة تَرْكَب المجتمع عبر القواعد الذهنية
المبطّنة في سلوك الأفراد، من خلال أحلام الرجال، ورسوم الأطفال، في الآداب
الريفية والمدينية ونفسيات الأبطال الروائية، في نصائح الأمهات ودروس التربية
الأخلاقية. الأسئلة تشكّل الأداة التي نرى ونحلم ونفكر ونحاكم من خلالها. الناس يستيقظون
كل صباح وهم يحلمون بأن يعثروا على إجابة يسيرها منطق الثقافة الذي صاغته تلك
الأسئلة التي تأتي باستمرار. من أين تأتي الأسئلة؟، كما أخبرتك سابقا!!!. المثل
الصيني يقول بأن أولئك الذين يطرحون الأسئلة قد يكونون أغبياء لبعض الوقت فقط، أما
أولئك الذين لا يطرحونها أبدا فهم سيظلون أغبياء طوال حياتهم، أعلم أنك مولع
بالبطولة دائما، وستتحدى صمتك لتطرح الآلاف من الأسئلة، أنت لست غبيا... تمهّل!!!.
لطالما قلّد الناس الكونغ فو الصيني في مجتمعنا ولم يأبهوا بتقليد حكمهم وأمثالهم،
ولكن هل تعلم؟، ليس عليك أن تقلّد أحدا فيما يتعلق بالإجابات والأسئلة، هناك من
يقول: أن عليك أن تبحث عن الإجابة في المكان نفسه الذي عثرت فيه على السؤال.
الأمكنة التي يقرها المجتمع على أنها فضاءات مناسبة له سياسيا وثقافيا واجتماعيا
واقتصاديا ودينيا هي نفسها الأمكنة التي علينا أن نبحث عن إجابات فيها.
السؤال
مسألة وطنية، لا تتعجب كثيرا، أردت أن أخبرك أن على الأسئلة أن تكون أسئلتنا نحن،
أسئلة الآخرين مهمّة، حقا، من جانب حضاري. إلا أن بناء مجتمع الـ(نعم ولا)
يحتاج إلى طريقتنا الخاصة بنا في طرح الأسئلة، لأن الإجابات التي سنقدمها فيما بعد
هي المسؤولة عن بناء فكرة الصواب الحضاري الذي يُوقف طريقتنا الساذجة كلما تجاورنا
في حركة مرور ونحن نبصق على بعضنا البعض. أعلم أنك لا تفعل هذا، أنت كما يقول
أحدهم فيلسوف، والفيلسوف عندما يجيبني يجعلني لا أفهم أصلا سؤالي الذي طرحته. أردت
أن أخبرك بأن البصاق ليس سؤالا ولا التلويحَ باليد ولا تقطيبَ الحاجبين ولا ركلَ
الباب بقوة، باختصار العنف لا يمكنه أن يكون هو السؤال الوطني الذي سنموت من أجله
للحصول على إجابة. في زمن الإمبراطورية الرومانية كنا نموت لأننا الآخرين يأتون
إلينا على خيولهم، يمسكون لجامها بيمينهم وأسئلتهم بشمالهم، كنّا نموت لأن إجابتنا
(الحرية) كانت تقتضي أن نموت. أما اليوم فنحن نحتاج إلى نظرية حول السؤال تصدّ
محاولات المحو التي تفرضها علينا أسئلة أخرى تهاجر إلينا. إنه نوع من استعمار
الذات عبر الأسئلة التي تظل مهمتها تعطيل المجتمع وإدخاله في نوع من اللغو
المعيشي، هل أعجبك هذا النوع الجديد من الاستعمار؟!!!، من برأيك سيصوغ هذه
النظرية؟.
الإجابات
عن هذا السؤال كثيرة، سأجيبك. أرغب في أن أكون غبيّا لبعض الوقت على رأي المثل
الصيني. السياسيون يوصون بأن على المرء أن لا يطرح سؤالا لا يمتلك إجابته منذ
البداية. في عالم الاقتصاد ينبهون على أن سؤالا زائدا عن الحاجة قد يؤجل انعقاد
الصفقة إلى الشهر المقبل، في الفلسفة يقولون أن ما نعرفه نتيجة لما طرحناه من
أسئلة، في الدين كثرة السؤال وإضاعة المال والقيل والقال أشياء متشابهة في عدم
الجدوى. لم تجبني: من سيصوغ هذه النظرية؟. حسنا، الشاعر الأمريكي ويستان هيو
أودون يخبرك بأنه من السهل جدا على المرء أن يطرح أسئلة صعبة.

Commentaires
Enregistrer un commentaire