ما بعد الحداثة وموت الذات. ج01


                                                                                       
ترجمة: جمال بلقاسم


عدد من المفكرين في الستينيات والسبعينيات، بدأ في التشكيك في صحة وصلاحية الإنسان كشيء يعول عليه في فهم ما يحدث. كانت أفكارهم "متقدمة" على وقتهم. ظهرت مجموعة متنوعة من النظريات المختلفة من فلسفة تسمى "الظاهراتية". وأخرى من التوقعات الاجتماعية المتأثرة بالنظرية اللغوية  المسماة "البنيوية". تضافرت هذه الأفكار معًا في منظور عام سمي ما بعد الحداثة. أصل هذه الأفكار فرنسي في الغالب، لكن ما بعد الحداثة أوجدت مزاج راق للأكاديميين، وعلى نطاق أوسع بين صانعي الرأي، وعلماء الثقافات، للحصول بسرعة على عملة محبوبة في الحياة الفكرية في الثمانينيات والتسعينيات. بحلول نهاية الألفية، نجد الكنيسة وعلى رأسها البابا يوحنا بولس الثاني يعانق اليأس ما بعد الحداثي بدلاً من إعطاء رسالة أمل. يلاحظ البابا أن العدمية ما بعد الحداثية قد تم تبريرها؛ عبر التجربة السيئة للشر التي ميزت مرحلتنا، يؤكد البابا أن "هذه التجربة الدراماتيكية أكدت انهيار التفاؤل العقلاني، الذي اعتبر التاريخ بمثابة تقدم مذهل للعقل، مصدر السعادة والحرية كلهما"[1].  ويحذر قداسته من "العقل المتفائل" الذي "يستمر في تغذية الوهم بأنه بفضل التقدم العلمي والتقني، يمكن للرجل والمرأة أن يعيشا كأرباب، ويتوليا مسؤولية مصيرهما".
        كان جان فرانسوا ليوطار (Lyotard) هو من لخص أفضل تقييم للعصر الحديث وأيديولوجياته المهيمنة."سأستخدم المصطلح الحديث لتسمية أي علم يشرعن نفسه بالإشارة إلى الميتا-خطاب ... مما يجعله نداء جذابا لبعض السرديات الكبرى، مثل جدلية الروح، وهيرمينوطيقا (تفسير) المعنى، وتحرر الذات العقلانية أو العاملة، أو خلق الثروة"[2]. رفض ليوطار هذه البنيات السردية الحداثية، وأعلن عصر ما بعد الحداثة على النحو التالي:"أنا أعرِّف ما بعد الحداثة على أنه عدم اعتراف بالميتا-سرديات"[3]. وكما هو معروف الآن، فقد تم تعريف ما بعد الحداثة كزمن أصبحنا نكشط فيه الأيديولوجيات التي اعتمدنا عليها سابقا، مثل العديد من الحكايات الطويلة، التي صُمّمت لجعل المستمع سعيدًا وراضيا، لكن دون أهمية أكبر. كانت الاشتراكية والسوق الحرة والمسيحية والعائلة النووية والتقدم العلمي "مكشوفة" ككثير من قصص ما قبل النوم التي تقال لنا مثلما تقال للأطفال لتهدئتهم عند النوم.
لم يتضح على الفور أن الآثار المترتبة على النظرية التي تدعى "ما بعد البنيوية" و "ما بعد الحداثة" كانت معادية للذاتية (Subjectivity). الواقع أن العكس هو الصحيح. كان نقاد ما بعد ما بعد الحداثة يُتَّهمون في المقام الأول بالذاتية المفرطة التي كانت تهدد الموضوعية. بالنسبة للعلماء والمحافظين، كانت السمة المميزة لهذه الأفكار الجديدة هي شكوكها تجاه حقيقة موضوعية فريدة كان يدعيها هؤلاء. أما تهمة النسبية فهي ما أدان به هؤلاء العلماء والمحافظون ما بعد الحداثيين[4]. في اعتداء احتفالي على ما بعد الحداثيين ، كتب العالمان آلان سوكال وجان بريكونت: "الهدف الثاني لكتابنا هو النسبية المعرفية، العلم الحديث ليس أكثر من" أسطورة "أو"رواية"أو" بناء اجتماعي". بالنسبة إلى منتقديها، بدا الأمر وكأنه قد تم تفضيل النزعة الذاتية على الحقيقة الموضوعية في هذه النظرية الجديدة. الفيلسوف الأخلاقي آلان فيلكينكروت (Finkielkraut) سخر من هذا الشر المسمى ما بعد الحداثة بقوله:"دعني أفعل ما أريده أنا بالذات". يتابع:" "لا يمكن لأي سلطة سامية أو تقليدية ، ولا حتى سلطة ذات أغلبية سوية ، أن تحدد تفضيلات رجل ما بعد الحداثة أو أن تنظم سلوكه"[5]. كان عيب ما بعد الحداثيين، إذن، هو أنهم قاوموا شيئا ما يسمى السلطة، عبر الإفراط في تفضيل الذات. النقاد أشاروا إلى الطريقة الشاذة التي فكك بها ما بعد الحداثيين كل يقينية علمية وأخلاقية كما لو أنها لم تكن سوى قصص أو ميتا أو روايات كبرى. ولكن وفقا لما بعد الحداثة، فإن مثل هذه الميتاسرديات تميل إلى القضاء على الاختلافات، وفرض حياة موحدة بلا حياة. عندما تقزم الميتاسرديات التعقيد وتختزله في التماثل الذاتي، فإن طريقة التفكيك تعيد الاختلاف الأساسي للأشياء[6]. بالنسبة للعلماء والمحافظين فإن هذا التفضيل الأحادي للاختلاف يقترح نوعا من الذاتية العميقة، أين ستصبح الموضوعية مجرد استجابات لذاتيات شخصية.
لكن التفكيك لم يكن موجها نحو الخارج: أي العالم الموضوعي فقط ، كما كان يخشى المنتقدون. إن التشويش الهائل للتفكيير ما بعد الحداثي على السردات الكبرى يعني أن عظمة هذه السرديات، أي الذات نفسها، لن تبقى على حالها. جاك دريدا سبيل المثال، أصر على أن مسألة الاختلاف أساسية للغاية بحيث لا يمكن إبقاؤها خارج الذات، ولكن يجب أن يشكك في الذات نفسها:"ما المختلف؟، من يختلف؟. ما هو الاختلاف؟.... إذا قبلنا هذا الشكل من السؤال، في معناه وصياغته (ما هو؟. ومن هو؟. وما هذا؟.) فإننيا علينا أن نستنج أن الاختلاف كان مشتقا، وقد حدث، ويجب أن يكون محكوما ومتقنا عبر الكينونة الحاضرة كذات وكَمَنْ"[7].

أسلوب دريدا مُكْلِفٌ بعض الشيء. (في كتابه: في النحوية Of Grammatology. أصر على أن نيته هي أن يجعل الأشياء تبدو غامضة وملغزة. الكلمات نفسها التي ندلل بها على ما هو قريب منا[8]). ولكن مع أن مفرداته متخصصة جدا، فإنها تسمح لنا بفهم المعنى كفاية. الاختلاف الحاصل بين الذوات، لا يعني كما يقول تحقق منظور تعددي:"ضربات مختلفة لمختلف الناس". ولكن هذا غير كاف بالنسبة لدريدا. إذا كنا نتحدث فقط عن الاختلافات بين الناس، عندها سنكون قد افترضنا بالفعل وجود هذه الذوات الوحدوية قبل الاختلاف. ومن ثمة لن يكون الاختلاف إلا مسندا إلى هذه الذوات الموجودة سابقًا. ولكن دريدا يرى أن الاختلاف سابق للذوات. إن السؤال: ما المختلف؟ أو من يختلف؟. يفترض وجودا سابقا عن الذوات التي تختلف. دريدا يحاول باستمرار أن يصر على أولوية الاختلاف على الذوات.  المعنى الضمني لهذا هو أن الذات لا يفترض أنها وحدة شاملة خالية من الاختلاف. بل يجب أن تفكك نفسها من قبلها هي.
في كتابه: في النحوية، وضح دريدا أن تفكيكه لمزاعم الموضوعية يسير جنبا إلى جنب مع تفكيك الذاتية[9]. وكما أن الادعاءات بوجود الحقيقة الموضوعية هي رواية يجب تبديدها، كذلك فالذاتية أسطورة. في كتابه: في الروح (Of Spirit)، يذهب خطوة أبعد في رفض الذاتية. الكتاب عبارة عن مناقشة للفيلسوف والنازي مارتن هايدغر. في هذا الكتاب أشار دريدا إلى أن افتنان هيدغر بالروح الغربية سببه ذلك الشذوذ المرتبط بالذات العقلانية للتفكير التنويري. يستمر دريدا في انتقاد"العنصرية والشمولية والنازية والفاشية" التي يتم الاضطلاع بها "باسم الروح. وحتى على حرية هذه (الروح) باسم البديهة - على سبيل المثال، الديمقراطية أو "حقوق الإنسان" - التي ترجع بشكل مباشر أو غير مباشر إلى هذه ميتافيزيقا الذاتية"[10]. هنا، يتم انتقاد سرديات الحرية والديمقراطية لأنها تنطوي على تحرير الذات (في هذه الحالة: الشعب). حسب دريدا، فإن هذا النداء  "لميتافيزيقيا الذاتية" يضعها على قدم المساواة مع الفاشية، لأن الفاشية، كما يمثلها هنا مارتن هايدغر، تناشد الذات أيضا: روح الغرب.
إن حجة دريدا مثير للدهشة. ما مدى سهولة ربط الديمقراطية بالفاشية! والخط المتقاسم بينهما هو التزامهما المشترك بالذاتية. من المغري أن نتصور أن دريدا يقوم بتجريد  شكلي لا  مبرر له، في حين أنه قدم حجة معقدة نوعا ما. ربما يمكن للمرء أن يقول إن الفاشية والديمقراطية وجهان لعملة واحدة، لأن كلاهما أشكال سياسية تنظيمية. في مثل هذه الحالة، سيكون الأمر مجرد إحداث توازٍ قسري إلى حد ما، مثل أن نرى أن كل من هتلر وستالين وصدام حسين يضعون شوارب (Moustaches). لكن دريدا يريد أكثر من هذا. الرابطة المشتركة بين الفاشية والديمقراطية ليست عَرَضية، ولكنها عيب قاتل. والرابطة الخاصة التي يحاول ديريدا إيجادها هي الذاتية. فيليب لاكو-لابارط، فيلسوف آخر، تأثر بدريدا ، يجعل هذه النقطة أكثر وضوحا، عندما يكتب أن "الفاشية إنسانوية":" "من حيث أنها تستند إلى تحديد البشر، وهو في نظرها أكثر قوة، أي أكثر فاعلية، من أي شيء آخر. إن ذات الخلق الذاتي المطلق، حتى وإن كانت تتجاوز كل تحديدات الذات الحديثة في وضع طبيعي مباشر (خصوصية العرق) فإنها تجمع وتجسد هذه القياسات عينها وتضع نفسها كذات متكلمة بشكل مطلق"[11].
لاكو-لابارط وضح بصراحة معنى تفكيك ميتافيزيقا الذات. ونظر هنا إلى الخلق الذاتي، الذي كان يوما ما فضيلة، على أنه فاشية. الإنسانوية فاشية لأنها تضع الإنسان كمركز، وتجعل نشاط الإنسان مادة للتاريخ. كان رد الفعل الأولي ضد المفكرين في مرحلة ما بعد البنيوية هو الاحتجاج على نزعاتهم الذاتية المتطرفة وإبعادهم "الحقيقة الموضوعية". ولكن ما فات هذا الردود هو أن الذات كانت أيضا هدفا للتفكيك، ربما بطريقة خاصة جدا. ضمنيًا في هذه الحركة المزدوجة هناك احتمال عدم تعارض الموضوع والذات، ورؤيتهما كشروط داعمة لبعضها البعض. إذا كانت الأرضية الموضوعية الفريدة موضع تساؤل، فإن الذات المفردة والموحدة كانت كذلك موضع استجواب. والأهم من ذلك، أن تدهور الذات يدمر أساس البحث المستمر في الموضوع. بعبارات مبهمة، إذا لم نكن متأكدين من الباحث، فلن يكون هناك أي بحث.






هوامش

[1] - Reason and Faith
[2] - The Postmodern Condition: A Report on Knowledge, Manchester: University Press, 1989, pXXIV
[3]- The Postmodern Condition: A Report on Knowledge, Manchester: University Press, 1989, pXXIV
[4] - Intellectual Impostures, London: Profile, 1999.

[5] - The Undoing of Thought, London: The Claridge Press, 1988, p116
[6] - Jacques Derrida indicates the intrinsic nature of difference with his own concept of différance indicating not only differentiation, but also the deferment of the moment of closure that is definition, and hence the perpetual play of difference. ‘Différance is the nonfull, nonsimple, structured and differentiating origin of differences.’ A Derrida Reader: Between the Blinds, Hemel Hempstead: Harvester, 1991, p64
[7] - Jacques Derrida, A Derrida Reader: Between the Blinds, Hemel Hempstead: Harvester, 1991, p65. My thanks to Kenan Malik for pointing this passage out.
[8] - A Derrida Reader: Between the Blinds, Hemel Hempstead: Harvester, 1991, pix
[9] - Of Grammatology, Maryland: John Hopkins UP, 1997, p16
[10] - Of Spirit: Heidegger and the Question, Chicago: University Press, 1991, p40
[11] - Quoted in Luc Ferry and Alain Renault Heidegger and Modernity, Chicago: University Press, 1990 p2. I have missed out a second parenthesis, a sideswipe at Stalinism, no doubt deserved, but not to our purpose.





Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

من فلسفتي: المثلث الأنطولوجي ومرحلتنا الراهنة من تاريخ البشرية.

موسوعة ما بعد الحداثة: مقاربات حول المفاهيم

المسار اللاسلطوي للهرمينوطيقا