مقدمات/نحو أمية هرمينوطيقية: من هيدغر إلى ماركس

ترجمة جمال بلقاسم 




إذا كان الفلاسفة الماركسيون قد أخفقوا لحد الآن في تغييرهم للعالم، فهذا ليس بسبب أن مقاربتهم السياسية له كانت خاطئة، بل لأنها كانت مؤطرة ضمن نسق ميتافيزيقي . وعلى عكس فلاسفة ومفكرين آخرين ينتمون زمنيا إلى القرن العشرين (20ق) فإن مارتن هيدغر لم يقترح فلسفة جديدة قادرة على تصويب الميتافيزيقا أو تصحيحها، بل أشار إلى صعوبة هذا الادعاء. علينا أن ندرك أن الميتافيزيقا لا يمكن الإطاحة بها بالمعنى الذي تحمله الكلمة الألمانية (überwunden) أو أن نتغلب عليها أو أن نتخلى عنها بشكل عام. بل علينا أن نتعقل محاولة تجاوزها داخل معنى (erwindung). أي دمجها وممازجتها وإضعافها لكي يصبح تغيير العالم إمكانية متاحة:"الغلبة لن تتحقق ما لم نفكر في الإدماج"، لهذا السبب فإن إضعاف الفورمة العقلية الموضوعية (التي يحوزها دائما أولئك الذين يحكمون) سيتيح لفلسفة ما بعد الميتافيزيقا أن تتجاوز الميتافيزيقا وإزاحتها أيضا في الوقت نفسه. نريد أن نقول أن الضعفاء هم الغالبية العظمى من سكان العالم، كما أننا لم نعثر على فرد أو جماعة أو أمة مستضعفة تعتقد بأن هناك عقلانية موضوعية يجب أن تتبع وتتخذ منوالا للممارسة. الميتافيزيقا أو سياسات الأوصاف فلسفة الفائزين الذين يريدون الحفاظ على العالم كما هو. أما الفكر الضعيف المرتبط بالهرمينوطيقا فقد أصبح فكر الضعفاء الذين يبحثون عن بدائل.
        نحن لا ندعي في هذا الكتاب أن الأممية يمكن أن تترجم إلى موقف فلسفي معين أو أن الهرمينوطيقا يمكن أن تصبح موقعا سياسيا، ولكننا نريد أن نقول أن كلاهما يحفز انتباهنا نحو مسألة فقدان نزعة التأهّب لما يطرأ حاليا: حالة المماثلة المتزايدة للبنيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالسلطة. وكبديل سياسي للتحتيمات الرأسمالية الليبرالية الجديدة وفلسفة الطبيعة التأويلية للحقيقة، فإن الأممية والهرمينوطيقا أكثر من مجرد موقعين لخدمة السلطة، بل هما استجابتان بديلتان لأولئك الذين خسروا التاريخ، أي الضعفاء. غالبا ما قُدِّمت الأممية على أنها طغيانية، ولطالما اختزلت الهرمينوطيقا في شكل عدمي خالص من قبل نقادها، إلا أن هذه الادعاءات ليست كشفا عن أخطارهما بل هي حدسيات عن عدم جدواهما للذين يحوزون السلطة. وبينما يحاول الفائزون بالتاريخ الإبقاء على العالم كما هو فإن من خسروه يطالبون بتأويلات جديدة ومختلفة. أو بشكل آخر، إنهم يبحثون عن أممية هرمينوطيقية. وعلى عكس ما يقوم به العديد من مؤولي ماركس الذين يقدمون أنفسهم "كاشتراكيين علميين" فإن هذا الكتاب يدعي بأنه كتاب حول "الأميين الهرمينوطقيين". الذين يعتقدون بأن السياسة لا يمكن أن توجد داخل ما هو علمي وعقلاني بل يحصرونها في التأويل والتاريخ والحدث. هناك خلل واعتلال نعتقد سوية مع ريتشارد رورتي أنه يصدع القناعة التي ترى أن "ما ورثه الأكاديميون الماركسيون المعاصرون عن ماركس وإنجلز هو الإيمان أن الكومنولث التعاوني يجب أن يكون علميا لا طوباويا، وعارفا لا رومنسيا".

        سوف نرى أن الهرمينوطيقا لها كل الميزات الطوباوية والرومانسية التي أشار إليها رورتي، فعلى عكس المعرفة العلمية لا تريد الهرمينوطيقا أن تدعي أن غايتها الوصول إلى عالمية حداثية بل إلى خصوصية ما بعد حداثية. ولكن كيف يمكن الجمع بين الأممية والهرمينوطيقا؟. سنقول من أجل تفكيك الميتافيزيقا: أي المزاعم الموضوعية حول الحقيقة والكينونة والتمركز حول اللوغوس التي طوقتها فلسفة نيتشه وهيدغر ودريدا. ولكن إذا كانت الأممية اليوم تمثل بديلا للرأسمالية، فهذا ليس بسبب ضعف قوتها السياسية داخل الحكومات المعاصرة، بل أيضا بسبب ضعفها النظري. فمع انتصار الرأسمالية فقدت الأممية موقعها داخل السلطة، وأبطلت كل مزاعمها الميتافيزيقية التي ميزت صياغتها الماركسية لها كمثالية لفكرة التطور الذي قاد بشكل حتمي نحو منطق الحرب أيضا. اليوم، هذه المثاليات والمنطقيات هي نفسها التي تقود المحافظة والإصلاحية اللتين خسرتا الدعم الذي كانتا تحظا به بعد سقوط حائط برلين.
        الأممية والهرمينوطيقا، أو بصياغة أفضل "الأممية الهرمينوطيقية" تنأى بنفسها عن أن تكون مثالية للتطور أو نداء للثورة. نحن نعتقد خلافا للآن باديو  وأنطونيو نيغري  ومنظرين ماركسيين آخرين بأن القرن الواحد والعشرين (ق21م) ليس قرنا للثورة، لأن قوى سياسات الأوصاف أكثر بطشا وعنفا وقمعا من أن يتمرد عليها: فقط عبر فكر ضعيف كالهرمينوطيقا يمكن أن نتجنب الثورات الإيديولوجية العنيفة لندافع عن المستضعفين. داخل ظرفنا ما بعد الميتافيزيقي، الذين خسروا التاريخ تُخُلِّيَ عنهم، وكما أشار سلافوي جيجك  فإن الفكر الضعيف "هو الفكر الذي يدرك النسيج الجذموري للواقع؛ لم نعد من خلاله نهدف إلى شرح جميع الأنظمة والمشاريع التحررية، التحتيم العنيف للحلول الكبرى عليه أن يغادر أرضنا لأجل المقاومة والتدخل". بينما تسعى الأممية إلى تحفيز مقاومة التباين والتفاوت وعدم المساواة التي تميز الرأسمالية فإن الهرمينوطيقا تتدخل وتشير إلى الطبيعة التأويلية التي تميز الحقيقة.
        رغم أن نُسَخَ "الأممية" و"الهرمينوطيقا" التي سنحيل عليها تمتد إلى أبعد من ماركس وهيدغر، فإننا يمكننا أن نعثر في فكر كليهما على كليهما، لأنهما يتقاسمان مشروع الانعتاق من الميتافيزيقا، على سبيل المثال: تعليق هيدغر على مقطع لماركس حول التأويل، سبق وأن اتخذناه كعتبة لهذه المقدمة، يبن لنا إمكانية وجود نظرية للتأويل في فلسفة ماركس، واهتمام هيدغر بالسماح لهذه النظرية أن تجد مكانها في فلسفة ماركس. النعت (Hermeneutisch) ورد مرة واحدة في أعمال ماركس، أما الاسم (Hermeneutic) فلم يرد أبدا. وفي كتابه "دراسات حول فيورباخ" لاحظ أن الفلاسفة "قد أولوا العالم بطرق شتى: وقد آن الوقت لتغييره، هذه هي المسألة". هذا لا يعني مع ذلك أن ماركس ليس لديه نظرية حول التأويل. خلافا لأغلب مؤولي ماركس الكلاسيكيين لا نعتقد أنه سفه الهرمينوطيقا بهذه المقولة، بل إنه تحدث عن كيفية التغيير وهي المهمة الجديدة للتأويل كما سنرى، على عكس ما هو موجود في سياسات الأوصاف، حيث على الحقيقة أن تكون محتمة، فإن التأويل يجب أن يكون مساهمة جديدة داخل الحقيقة. ولكن ماذا عن حضور الأممية في فكر هيدغر؟. سنقول أنه سفه الأممية والرأسمالية والديمقراطية، ليس بسبب تعاطفه مع النازية بل لمحاولته الإطاحة بالميتافيزيقيا. وقبل أي شيء نود أن نشير إلى أن هيدغر كتب في مرحلة كانت فيها الأممية السوفياتية واقعة في شرك مثالية التطور. أي تفكر داخل حدسيات ميتافيزيقية كانت تناهض الرأسمالية والديمقراطيات الغربية والاشتراكية الوطنية الألمانية. وبالتالي فالفكر الآخر والسياسيات التي كان يستحضرها لم تكن تنظيما آخر للكينونة، بل كانت فكرا للكينونة، أي أن يصبح حدث الكينونة عالم فلسفة بلا أصول. وإذا كان ماركس قد أولى عناية لفكرة أن نبقي أقدامنا مشدودة إلى الأرض، فإن هيدغر هو من أشار من خلال فكر الكينونة إلى أن هذه الأرض متحركة ومتغيرة باستمرار، وباستمرار هي خصيمة أيضا. مهمة الفلسفة اليوم لا تقتصر على وصف هذه الحركة بل أن تعلمنا تأويلها بطريقة مثمرة. ربما قد حان الوقت بعد تفكيك الميتافيزيقا إلى إعادة صياغة المقولة الماركسية لنؤكد كيف أن "الفلاسفة وصفوا العالم فقط بطرق شتى وأن اللحظة قد حانت لتأويله".

        رغم أن الأممية يتم تداولها عادة على جميع مستويات المجتمع عكس الهرمينوطيقا التي تختزل غالبا كتقنية بسيطة للتأويل، فإننا سنقلب هذا التفسير، حيث ستختزل الأممية في وظيفتها الاجتماعية ونركز على الجوهر الفلسفي للميتافيزيقا، التي قلنا سابقا أنها تتقاسم مع الأممية مشروع الانعتاق من الميتافيزيقا، لهذا فإننا في هذا الكتاب سوف لن نحيل على تاريخ الأممية السوفياتية أو النموذج الصيني المعاصر بل على المنوال الجنوب أمريكي (المنتخب ديمقراطيقا) الذي تمثله الحكومات الأممية في هذه القارة، التي تدافع عن مصالح مواطنيها الضعفاء. نحن نعتقد بأن هذه الجهة من العالم هي أفضل من يمثل الأممية في القرن الواحد والعشرين (ق21 م) التي كما يقول إريك هوبسباوم يجب أن تكون أولا ودائما "نَقْدَ الرأسمالية، نقد المجتمع الجائر الذي يطور تناقضاته الخاصة به؛ مثالية مجتمع ينعم بحرية متساوية، وأخوة؛ الولع بالفعل السياسي، إدراك ضرورة الأفعال المشتركة، القضاء على أسباب الفقر والاضطهاد، وهذا لا يعني وجود نظام اجتماعي على الطريقة السوفياتية، أو نظام اقتصادي لجماعية أو تنظيم شمولي. أعتقد أن هذه التجربة قد فشلت، الأممية كتحفيز تظل فكرة صالحة، ولا يجب أن تكون برنامجا".
        وكما أننا لن نحيل على الأممية السوفياتية  فإننا لن نحيل أيضا على الهرمينوطيقا كتقنية تقليدية للتأويل تطبق من أجل الكشف عن المعاني الخفية للنصوص الأدبية أو القضائية أو الدينية، سنحاول أن نُعمل الهرمينوطيقا كوجود كلي للكينونة الإنسانية. هذا الجوهر الأنطولوجي لها تم إقراره في القرن العشرين (ق20م) من قبل نيتشه وهيدغر وغادمار، وأصبح الآن لغة مشاعة داخل الفلسفة المعاصرة، حيث لم تفتت الحقيقة داخل تأويلاتها الخاصة بها بل الفلسفة أيضا. في حين أن التحتيمات الوصفية ترغب في اكتساب السلطة من خلال تظاهرها بمماثلتها لموضوع المعرفة، تكافح الهرمينوطيقا من أجل خلق صراع تأويلي يكون ضد المحافظة على القوانين التي تزعم أنها طبيعية والقيم والمبادئ. الهرمينوطيقا ليست موقعا سياسيا محافظا، بل هي موقع تقدمي معارض لموضوعية حالة البزنس، لهذا أكد رورتي الذي يعد ملهمنا في هذا الكتاب رفقة دريدا أن "الموقف الهرمينوطيقي في العالم الفكري يشبه حال الديمقراطية في العالم السياسي". من ناحية احترام الأقليات والاختلافات والضعفاء.
        ولكن من هو الضعيف؟، إنه ذلك المنبوذ من العالم الرأسمالي، المنتمي إلى عالم ما بعد ميتافيزيقي، الضعفاء هم من يسميهم هيدغر بـ"الكينونة"، ودريدا "هوامش الفلسفة" وولتر بنيامين "مجال القمع". هذه المفاهيم لا تعكس فقط المجالات التي ترفض الإذعان للتطور العقلاني للعلوم بل أيضا عدم قبول هذا التطور من قبل الدول المتخلفة، ومدن الأكواخ التي تمثل أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم. غرماء الضعيف ليسوا أقوياء فقط بل هم كذلك باطشون، إنهم الفائزون بالتاريخ، أولئك الذين يتحدث باسمهم أناس من أمثال جون سيرل (john Searle) وروبرت كاغان (Robert Kagan) وفرانسيس فوكوياما (Francis Fukuyama)، الذين يعتقدون أن السياسة قد أصبحت تكملة للمثالية الليبرالية للعلوم المرتبطة بالموضوعية. هؤلاء الفائزون يعتبرون أنفسهم أصحاب معرفة صحيحة. بل أكثر من ذلك إنهم العمليات الديمقراطية والأنظمة الاقتصادية المعافة. إنهم الحروب الإنسانية، الذين يعلنون أنفسهم حاليا حروبا ضد المستضعفين. سوف ندحض هذا العالم الميتافيزيقي فلسفيا عبر الحديث عن تحتيماته الاقتصادية والسياسية. في الفصل الثاني قدمنا الانتقادات التي وجهت لهذه التحتيمات من قبل العديد من المفكرين منهم نعومي كلاين  (Naomi Klein) آلان ميكسينس وود (Ellen Meiksins Wood) وجوزيف ستيغليتز     (joseph Stiglitz) الذين أحلنا على دراساتهم في هذا الكتاب. بدائل الديمقراطيات المؤطرة سنعرضها في الجزء الثاني، أين سنتحرى عن المشروع السياسي التقدمي للهرمينوطيقا و"الأممية المستضعفة" التي تعمل كموجه لدول أمريكا الجنوبية.
        عموما ما دعانا لتأليف هذا الكتاب هو غياب الحس الطوارئي الذي يسود العالم اليوم، الهجمات الإرهابية في التاسع من سبتمبر والأزمة الاقتصادية في 2008 التي قادت نحو تحولات كبيرة، السياسة المنتهجة التي كانت سببا في ظهور مثل هذه الأحداث، الدعم العسكري الذي قام به الرئيس الأمريكي السابق براك أوباما والأجندات النيوليبرالية التي يريد تنفيذها هو وحلفاؤه لابد أن تثير اهتمام المفكرين، لا ليناقشوا الظرف البليد بما هو طارئ بل ليدعموا أيضا الطارئ الفلسفي والسياسي، أي أن يدعموا البدائل.
        علينا أن لا نتفاجئ حين نقول أن أممية أمريكا الجنوبية والهرمينوطيقا الفلسفية يُمَثَّلان دائما على أنهما خطر يتربص بالعالم من خلال المؤسسة السياسية والفلسفية: فبينما تحافظ الرأسمالية النيوليبرالية على سلامة أسواقها المالية حول العالم، تهيمن الواقعية الميتافيزيقية على الفلاسفة الأكاديميين الذين أخضعوا الفلسفة لمقولات العلم. إذا كان التغيير فعلا هدفا لمناهضي العولمة الغربية فإن هناك بدائل سياسية وفلسفية تعتقد أنها موجودة ضمن هذا الكتاب وترجو نجاحها.                                                                   

Commentaires