الدراسات الثقافية: مقدمات أولى
ترجمة /جمال بلقاسم
عندما أُقَدَّمُ إلى شخص ما لم ألتقي به من قبل وأطلعه
على اسمي، أجدني بعد ذلك أسأل نفسي ماذا فعلت لأعيش. نتيجة لذلك، أجدني مرغما على
طرح سؤال آخر: ما هي الدراسات الثقافية(1) ؟. طبعا لا أريد أن أضجر صديقي الجديد بهذا السؤال، بل أغمغم فقط بأشياء
حول هذا المصطلح كأن يكون شبيها إلى حد ما بالأنثروبولوجيا أو علم الاجتماع مع
التركيز شيئا ما على الثقافة. لا يبدو الأمر كافيا أبدا ولكنه على الأقل
مناسب للحديث اجتماعيا حول الدراسات الثقافية. على أية حال، لن يكون ما قلت
جوابا كافيا ضمن سياق البحث الثقافي المحترف. كما أن الكتاب الأوائل الذين انخرطوا
في حقل الدراسات الثقافية سألوا أنفسهم نفس السؤال: ما هي الدراسات
الثقافية؟.
رغم أن طرح السؤال يبدو مقبولا، إلا أنه مظلل في بعض
جوانبه. أريد أن أقترح شيئا يتعلق بنا عندما نريد أن نسأل عن ماهية الدراسات
الثقافية فإننا سنخدع بقواعد اللغة الانجليزية اليومية. أما أن نسأل:
كيف بإمكاننا أن نتحدث عن
الدراسات الثقافية؟، ولأي غرض؟، سيكون هذا أفضل من السؤال الأول الذي يبدو محملا
بفرضيات ذات نزعة تمثيلية. عندما نسأل عن ماهية الدراسات الثقافية، يستلزم
هذا وجود شيء في الواقع اسمه الدراسات الثقافية وما على العلامة "دراسات
ثقافية" إلا أن تعكس وتصور هذا الشيء الجوهري.
على أية حال لا نستطيع أن نعرف ما هو الشيء خاصة إذا كان
هذا الهو يشير إلى حقيقة ميتافيزيقية كونية أو تمثيل دقيق للواقع.
لأن اللغة ليس بإمكانها أن تمثل العالم بدقة، بل يمكن لها فقط أن تكون أداة
لتحقيق مجموعة من المقاصد والأغراض. كما أن المعرفة ليست مجرد قضية تتعلق بأخذ
صورة دقيقة عن الواقع، بل أن نتعلم الطريقة الأفضل للتعامل مع العالم. ولأننا
نمتلك أغراض متنوعة، فإننا نطور لغات متنوعة أيضا، وبالتالي عندما نعيد توصيف
السؤال المتعلق بماهية الدراسات الثقافية ونضع مكانه السؤال: كيف يمكننا الحديث عن
الدراسات الثقافية ولأي غرض؟، فإننا سننتقل من الاهتمام بقضية التمثيل إلى
الاعتناء أكثر بمسألة استعمال اللغة.
حقيقة أننا لا يمكننا أن نقول بشكل قطعي ما هو الشيء، وأننا
نمتلك لغات مختلفة لأغراض متعددة، ليست حكرا على فلسفة اللغة لوحدها، بل هو
كذلك أمر متشارك فيه داخل العلوم الصلبة. فعلى سبيل المثال: في الفيزياء الكمية
يمكن من خلال ثنائية الموجة – الجزيء أن تعالج كل الكيانات الكمية سواء
كموجات أو كجزيئات؛ مثل أن تكون في مكان معين (الجزيء) أو أن تكون في مكان غير معين
(الموجة). وفي ظل ظروف معينة من المفيد أن نرى أن الفوتونات (=كميات الضوء) تعتبر
كانسياب للجزيئات، بينما في أوقات أخرى من الأفضل فهمها كأطوال للموجة. كما أنه
ضمن الفيزياء النيوتنية الكلاسيكية يعد الإلكترون كجزيء يدور حول نواة الذرة
(=البروتونات والنيترونات)، بينما في ميكانيكا الكم يعد موجة تحيط بنواة الذرة. وفي
كلتا الحالتين تشتغل هذه الأوصاف طبقا لتفكير كل واحد؛ فالظواهر الفيزيائية خاضعة
للوصف (ديفيدسن، 1984) المتعلق بنماذج مختلفة لتحقيق نهايات متشعبة.
بالتالي فأنا أنصح بمقاربة تعيد صياغة الإشكاليات بطريقة
تبتعد عن التركيز على مسألة التمثيل. بمعنى الانتقال من سؤال الماهية إلى
الاهتمام بالقضايا البرغماتية لاستعمال اللغة. فالنحو – كما صاغه فيتـﮕـينشتاين- عبارة عن "قواعد تخبرنا عن أي نوع
من الأشياء هو ذلك الشيء " (اللاهوت كنحو) (فيتـﮕـينشتاين، 1957: 373). وماهية الشيء تنبني انطلاقا من استعمال اللغة داخل ألعاب
لغوية محددة. وبالتالي فهذه الصياغة العلاجية المنتقلة من سؤال الماهية إلى
البحث عن كيفية الحديث عن الدراسات الثقافية و لأي غرض تسمح لنا بأن لا نرى
هذا الحقل المعرفي كشيء. بمعنى أن الدراسات الثقافية ليست شيئا واحد يجب أن يمثل
بدقة. بل هي بالأحرى مشكلة بواسطة طرق مختلفة للنظر إلى العالم تحركها قيم و
أغراض مختلفة.
تاريخيا تم بناء الدراسات الثقافية عبر مجموعة من
الأصوات أو اللغات التي كان لها "شبه عائلي" رغم تنوعها وتعددها، لتشكل بذلك عشيرة سهلة التمييز موصولة بروابط
قرابة بعائلات أخرى. وبالتالي يمكن أن تفهم كلعبة لغوية مرتبطة بمصطلحات نظرية
طورت واستخدمت من قبل أشخاص سموا عملهم بهذا الاسم. كما أن ستيوارت هال
وصف الدراسات الثقافية كتشكل خطابي، أي كتعنقد من الأفكار والصور والممارسات
التي من شأنها أن توفر طرقا متعددة للحديث حول أشكال المعرفة، أو كمنهج
مرتبط بموضوع معين أو نشاط اجتماعي أو موقع مؤسساتي داخل المجتمع (هال، 1997: 6). ومعنى ما قلت يتلخص في أن الدراسات الثقافية مشكلة عبر طرق منظمة
للحديث حول الأشياء التي تجلبها إلى حيز الوجود وتلحمها بأفكار وتصورات واهتمامات
مفتاحية.
في الحقيقة، أرى أن الدراسات الثقافية الآن طُوِّرت إلى
مرحلة أصبح فيها هناك على الأقل شيء من التوافق حول الإشكاليات والقضايا والمفردات
المشكلة للحقل. وكما أكد ﮔروسبرگ وآخرون، فإن هناك سلسلة من التصورات والمفاهيم طورت
تحت راية الدراسات الثقافية وانتشرت واستخدمت في مواقع جغرافية متنوعة. وهذا ما
يشكل تاريخ الانجازات الفعلية التي تعد جزءا من هذا الحقل. والتي لولاها لعجزنا عن
الإحاطة بكثير من الموضوعات (ﮔروسبرگ و آخرون.، 1992: 8 )
إذا كانت الكلمات، كما يرى كتاب الدراسات الثقافية، تضفي
معنى على الأشياء المادية والممارسات
الاجتماعية التي تجلب إلى حيز الوجود عبر اللغة لتجعلها مفهومة لنا من خلال
حدودها، فإن مفردات الدراسات الثقافية هي ما ينجز ويؤدي هذا الميدان
المعرفي. لأن الدراسات الثقافية مشكلة عبر اللغة التي نستعملها عندما نريد أن نقول
أننا ننجز هذا الحقل، وبالتالي يمكننا أن نفهمه من زاوية الأدائية. أي كما
أننا نستعمل لغة معينة فإننا نسمي وننجز الدراسات الثقافية. وبالتالي فهذا المعجم
يعد جزء من الإجابة على السؤال: ما هي الدراسات الثقافية؟، وفي نفس الوقت ينجزها،
ويظهرها، ويوجدها بطريقة معينة. وهذا الكتاب إبراز للعبة اللغوية المتعلقة
بالدراسات الثقافية التي تساهم في جلب موضوع بحثها إلى العيان.
قصة ابتداع
الدراسات الثقافية
بتوصيفي للدراسات الثقافية كلعبة لغوية أردت التركيز على
شيئين: أولا، أن الحقل محدد من خلال طرقه في الحديث، بدلا من كونه موضوعا ثابتا من
الدراسة. ثانيا، أن الدراسات الثقافية ليست شيئا واحدا، بل هي مشكلة عبر جمْع
من السلالات المختلفة إلا أنها موصولة بروابط قرابة. والحقيقة أنني حاولت أن
يكون هذا الكتاب شاملا لمختلف مجالات الدراسات الثقافية، ومع ذلك فهو يمثل أيضا
حالة من حالات اكتسابي لفهم خاص بالدراسات الثقافية على نحو معين، وهذا ما سيشكل
بدوره هذا القاموس. بمعنى أن حكاية الحقل هذه مشكلة من خلال أسئلة: مَن وأين ومتى ولماذا
المرتبطة بالمؤلف. و بالتالي فهذا القاموس متموقع كما يشير مفهوم الموقعية،
أي أن إنتاج المعرفة متوقع دوما ضمن محددات الزمن و الفضاء والسلطة الاجتماعية.
وعليه سأتحدث قليلا عن قصة ابتكار الدراسات الثقافية
الخاصة بي، حتى و إن كنت أعلم بأن هناك آخرين لهم قصص جديرة بالاهتمام. كنت طالبا
جامعيا في قسم علم الاجتماع بجامعة برمنغهام (المملكة المتحدة) بين 1975 و 1978 وهي الفترة التي كان فيها مركز الدراسات الثقافية في أوج عطائه تحت إدارة
ستيوارت هال. لم أكن أبدا عضوا بالمركز، ولكنني كنت مدركا لعمله. قرأت صحفهم وحضرت بعض المحاضرات التي ألقاها ستيوارت
هال، واختلطت في الحرم الجامعي ببعض أعضاء المركز الذين كانوا نشطين. حتى أني كنت
أتسلل إلى الحلقة الدراسية غير المعلنة التي كان ينظمها المركز. وكنت أحس بهيبة
ستيوارت هال وهو يجول الحرم الجامعي، وكنت أقول في نفسي أن الدراسات الثقافية
مشروع فكري جدير بالاهتمام ولم أصادف مشروعا مثله قط. لاحقا كانت مشرفتي في
الدكتوراه بجامعة ليدز (المملكة المتحدة) جانيت وولف Janet Wolff التي كانت هي نفسها خريجة المركز. نعم، لقد كانت لي
صداقات رائعة مع كريس باولين Chris
Pawling عضو مركزي سابق بالمركز و زميل لبول ويليس بجامعة ولفرهامبتون
(المملكة المتحدة). وهكذا ما سمي بمدرسة برمنغهام كان نقطة البدء في اكتشافي
للدراسات الثقافية.
بالنسبة لي هناك خط يجب أن يفصل بين دراسة الثقافة والدراسات
الثقافية التي نشأت بشكل مؤسساتي (أي داخل المؤسسة). فدراسة الثقافة تتوزع على
عدة مجالات أكاديمية كعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والأدب الانجليزي...إلخ. وتسود
مجموعة من الفضاءات الجغرافية والمؤسساتية، ولكنها لا تمثل بالضرورة الدراسات
الثقافية. وبينما لا تمتلك دراسة الثقافة أصولا محددة، فهذا لا يعني أن الدراسات
الثقافية لا يمكن تسميتها. وتكوين مركز الدراسات الثقافية المعاصرة بجامعة
برمنغهام في سنة 1960 كان حالة تنظيمية حاسمة. ومنذ ذلك الوقت سعى الحقل إلى
تمديد قاعدته الثقافية ومجاله الجغرافي وأصبح هناك مشتغلون بالدراسات الثقافية في
الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وإفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، كل له شكل
الدراسات الثقافية الخاص به وطريقة عمله، وبالتالي لا أريد أن أمنح شيئا من
الامتياز للدراسات الثقافية الانجليزية في حد ذاتها، بقدر ما أنني أريد التركيز
على أن تأسيس الدراسات الثقافية كان بمركز برمنغهام، وهي لحظة مؤسساتية ذات مغزى.
الأمر يشبه أن تقول أن علم الاجتماع المعاصر لم يكن من صنع ماركس ودوركايم وفيبر،
والمجال العلمي ليس حكرا على نيوتن وآينشتاين، ولكن من الصعب أن تدرس مواضيع هذه
المجالات دون أن تناقشها ضمن أفكار هذه الشخصيات. وعليه فالدراسات الثقافية ليست
هي مركز برمنغهام، ولكن أي اكتشاف لمسائل للحقل لا يمكن أن ننخرط فيه دون
الاستعانة بالإرث الفكري للحقل.
نسختي المرتبطة بالدراسات الثقافية تنطلق من الماركسية الجديدة وانخراطها
في البنيوية وعمل أنطونيو ﮔرامشي على السواء. وهنا تعتبر الإيديولوجيا والنص
والهيمنة تصورات مفتاحية للدراسات الثقافية. في الوقت نفسه،
طورت الدراسات الثقافية تيارا من العمل التجريبي والإثنوغرافي، كان في كثير من الأحيان
أقل ظهورا من التحليل النصوصي، ولكنني أفضل أن أكون متعاطفا معه. والواقع أنني
لا أرى أن الاثنوغرافيا والتحليل النصوصي متنافيين أو يستبعد أحدهما
الآخر. في وقت لاحق احتضنتُ بعض الجوانب من ما بعد البنيوية، وأعمال فوكو
بشكل خاص. أين شكلت مفاهيم، كالخطاب والذاتية، محور اهتماماتي إلى
جانب قضايا الحقيقة والتمثيل. وضمن هذا السياق كنت أنا والدراسات الثقافية
مُسْتَغْرَقَيْن بشكل كامل داخل مسائل الهوية.
الانخراط في ما بعد
البنيوية قاد إلى إعادة التفكير في قضايا الإيديولوجيا والهيمنة، فعلى سبيل المثال:
كان هال ولكلو وموف سباقين إلى ابتكار ما بعد الماركسية التي أوحت بها ما بعد
البنيوية، التي أفضلها كثيرا. رغم أنني الآن أقل استعمالا منهم لمفهوم الإيديولوجيا
والماركسية الأرثوذكسية. وهذا من وحي مساري البرمنغهامي البين ذاتي الذي انعكس على
بنائي لهذا القاموس. ومع ذلك سأصفع فرديتي صفعة خفيفة للإشارة إلى بداية خروجي عن
المسار الرئيسي للدراسات الثقافية، أقصد تأثير ريتشارد رورتي والبرغماتية
الجديدة على طريقتي في التفكير وعمل فيتـﮕـنشتاين (الذي كان
معتمدا أيضا في عمل موف).
البرغماتية ذات نزعة ضد
أصولية وضد تمثيلية وهي بذلك تتقاسم الموقف الابستيمولوجي نفسه مع التفكير ما
بعد البنيوي الذي أصبح محتفى به داخل الدراسات الثقافية. كما تمزج هذا الموقف مع
الالتزام بفكرة الإصلاح الاجتماعي. وتقترح البرغماتية أن فكرة النضال المتعلقة
بالتغيير الاجتماعي تعد مسألة مرتبطة باللغة/النص و الممارسة المادية/
الفعل السياسي. ومثلَ الدراسات الثقافية تحاول البرغماتية جعل ما يبدو طبيعيا
شيئا عرضيا في سعيها إلى عالم أفضل. وعلى خلاف البلاغة الثورية التي تميز العديد
من ما بعد البنيويين، تقرن البرغماتية نفسها بالحاجة إلى التغيير السياسي العملي
الذي يخضع لمبدأ التدرج. وبالتالي فهي تمتلك نظرة تراجيدية للحياة لأنها ليست
طوباوية كالماركسية مثلا. وتفضل النزعة التجريبية المتعلقة بالاختبار والخطأ التي
تسعى - بعد تطبيق طرق جديدة - إلى إنجاز الأشياء، إلا أنه بإمكاننا أن نصف ما هو
أفضل عندما نقارنه بشكل ضدي بقيمنا. وأريد أن أؤكد أن قيم الدراسات الثقافية يجب
أن تكون مزيجا بين الحداثي وما بعد الحداثي مشكلة بذلك قيما كالمساواة والحرية
والتضامن والتسامح والاختلاف والتنوع والعدالة.
عموما طريقتي في التفكير تتأرجح بين ما بعد البنيوية والبرغماتية
الجديدة، ووصفي بأنني ما بعد ماركسي انقلب إلى ما بعد حداثوي لم يكن هكذا دون
أصول، فهذا المزيج يشكل صميم كتابي: منطق الدراسات الثقافية: الإشكاليات والحوارات
النقدية المركزية (بركر، 2002). وهذا لا
يعني أن باقي التيارات الأخرى الملهمة للدراسات الثقافية كالهرمينوطيقا والنسوية
ونظرية ما بعد الاستعمار لا تعد هامة. بل هي كذلك، وأنا هنا أحاول فقط أن
أساعد القارئ على تفكيك صلابة أي ظاهرة في هذا القاموس من خلال الإشارة إلى
التأثيرات التي ساهمت في تشكلها.
المعجم كعلبة أدوات
هذا الكتاب مؤسس على قاعدة من التصورات والمفاهيم التي
أرى بأنها مهمة للدراسات الثقافية. وكتاب آخرون داخل الحقل سيختلفون معي حول
استخدامها وأي منها فعال. كما أدرك أيضا أن أعضاء الحقل سيختلفون معي حول إقصاء وإدماج
بعض الأفكار. وفي الوقت نفسه سأفاجأ إن لم نتفق على أن قدرا كبيرا من التصورات يعد
جزء ضروريا من التكوين الحالي للدراسات الثقافية. وأشك في إمكانية إدراك مجال
الدراسة هذا إن لم يتضمن بعض المفردات كـ: التمفصل والثقافة والخطاب والهيمنة والهوية
والإيديولوجيا والثقافة الشعبية والسلطة والتمثيل والعلامات والذاتية والنصوص - وهذا
ما يسمى بالدراسات الثقافية.
هناك تصورات نظرية مشكلة للإطار الذي من خلاله يفهم كتاب الدراسات
الثقافية العالم ويقومون بأبحاثهم
التجريبية عبره ويؤولون أدلتهم بواسطته. وبالتالي فهذه اللغة النظرية هي ما يميز
الصياغة المعرفية المرتبطة بالدراسات الثقافية. وهي بمثابة علبة أدوات تم استعارتها
من تيارات نظرية مختلفة ومقاربات منهجية مشكلة للحقل. وتلك الروافد تتمثل في ما
يلي:
الإثنوغرافيــــــا النسوية الماركسية
فلسفة اللغة الاقتصاد السياسي نظرية ما بعد الاستعمار
ما بعد الماركسية ما بعد البنيوية البرغماتية
التحليل النفســي البنيوية التحليل النصوصي
وعليه من الصعب تعيين حدود الدراسات الثقافية كحقل أكاديمي
متماسك وموحد ذو تصورات أو مواضيع واضحة المعالم. إلا أن الإشكاليات المرتبطة بتعريف
الحقل وإبراز الحدود المعرفية له لا يعد أمرا مهما للدراسات الثقافية، هو أمر
إشكالي فقط لعلم الاجتماع أو اللسانيات أو الفيزياء أو الدراسات النسوية. ففي
محاولته لتأسيس علم الاجتماع كوّن دوركايم تيارا فكريا كان مؤثرا عبر الزمان والفضاء،
إلا أنه لم يعرف علم الاجتماع تعريفا صالحا لكل الأزمنة لأن هذه اللعبة اللغوية
تغيرت واستنسخت.
الدراسات الثقافية حقل متعدد التخصصات أو ما بعد تخصصاتي يطمس
الحدود بينه و بين باقي المجالات المعرفية الأخرى، إنه يميل إلى أن يكون فسيفساء
فكرية له صياغته الخاصة به. ورغم ذلك يحب استعارة المفاهيم المتألقة من الأعشاش
الأخرى. والمعجم الحالي أو علبة الأدوات المتعلقة بالدراسات الثقافية تشير إلى أن
الحقل يستكشف الثقافة كعلامات وتمثيلات ومعاني مولدة عن طريق ميكانيزمات دالة داخل
سياق الممارسات الإنسانية. كما أن الحقل يهتم ببناء هذه التمثيلات ونتائجها وبالتالي
فهو يعنى بقضية السلطة لأن أنماط الممارسات الدالة مشكّلَة ومشكّلِة للمؤسسات والبنيات
الافتراضية. وهنا يكمن الاهتمام الكبير للحقل بالسياسيات الثقافية.
المعرفة ليست مجرد جمع للحقائق التي من خلالها نستنتج نظرية، بمعنى أن هذه الحقائق ليست محايدة
ولا يمكن لمجرد كومة من الحقائق المكدسة أن تنتج قصة حول حياتنا دون نظرية. وبشكل
دقيق، تعد النظريةُ قصةً حول الإنسانية مع تطبيقات على الفعل والأحكام المتعلقة
بالنتائج، كما أنها لا تصور العالم كما هو بل تعد كأداة، أو وسيلة أو منطق للبحث
في العالم (فوكو، 1980). وبناء النظرية يعتبر مسعى خطابيا
منعكسا ذاتيا يسعى إلى تأويل العالم ولعب دور الوسيط في ذلك. وبنائها ينطوي على
استخدام مجموعة من التصورات والحجج في علمية التفكير والعمل على توفير طرق موضوعية
لفهم أنفسنا. إن العمل النظري يمكن أن يدرك كصناعة لخرائط ثقافية توجهنا والتصورات
النظرية ما هي إلا أدوات للتفكير والفعل داخل العالم. وبالتالي فالقاموس يمكن أن
يفهم كعلبة أدوات مساعدة لعملية التفكير هاته.
رغم ذلك فالكلمات أدوات زلقة في الحقيقة، كما ارتأى دريدا أن
يراها من خلال مفهومه الاختلاف (Différance)= المغايرة و الإرجاء، لا وجود لمعنى خارج العلامة كما يرى، كما
أن العلامات لا تمتلك معنى واضحا أو ثابتا. وهنا يعد إنتاج المعنى داخل عملية
الدلالة مرجأ ومستكملا باستمرار وبالتالي تنزلق المعاني دوما تحت سلسلة من الدوال
لتخلخل استقرار المدلول. والكلمات لها معاني متعددة متضمنة لأثار كلمات أخرى من
سياقات متعددة. والحقيقة أن استخدام هذا القاموس سيكون فعالا إذا اعتمدنا مفهوم
الاختلاف، فإذا بحثنا عن معنى كلمة داخل القاموس سنحال على كلمات أخرى في عملية
غير منتهية من الإرجاء التناصي، كما لا يوجد معنى ثابت لأي مفهوم من المفاهيم
الواردة في هذا القاموس. فالمعنى خاضع للاستعمال، وهذا الاستعمال كما هو داخل
الدراسات الثقافية فقط.
مقاصد الدراسات الثقافية و أغراضها
الاتجاه الرئيسي المعتمد داخل الدراسات الثقافية، كما هو
مقرر من خلال التدريس والكتابة، اتجاه يميل إلى الإضاءة الفكرية ويسعى إلى شرعنة
ما هو مفكر فيه. وغالبا ما يعرض كتاب هذا الحقل تشكيلة متنوعة من الحكايات تعمل
كدليل رمزي أو كخريطة للمعنى أو الدلالة داخل العالم. وبهذا المعنى، تمتلك
الدراسات الثقافية مجهودا فكريا يساعد في فهم هذا العالم وتغييره؛ حيث يمكن أن
تعمل كأداة للنشطاء وصناع السياسة من خلال تقديم حلول للمشاكل المتعددة. بمعنى
إعادة تعريف ووصف العالم. ورغم هذا يجب أن نكون حذرين من خلط الكتابة التي تعد كمسعى
مُلْهَم سياسيا بباقي الأنواع الأخرى من الممارسات السياسية المدنية والحكومية.
المواقع الرئيسية للدراسات الثقافية كمحموعة من
الممارسات هي المؤسسات الأكاديمية، على سبيل المثال: الجامعات ودور النشر. وكشيء
أصبح يدرس، احتاجت الدراسات الثقافية إلى قواعد مؤسساتية متعددة، ومحاضرات، وكتب
مدرسية وطلاب. وهذا ما أدى بالدراسات الثقافية إلى أن تصبح حقلا أكاديميا. أما
المحاضرات التي تقدم اليوم بالجامعات للطلبة فإنها تشكل تعريفا واسعا لبرامتْرات
الدراسات الثقافية. والمراجع المدرسية التي تنشر، بما في ذلك مرجعي (باركر، 2000)، تعزز هذه العملية. والعديد من ممارسي الدراسات الثقافية يجدون صعوبة في
صياغة الحدود التي تضبط المحال المعرفي، ومَؤْسَسَةُ الحقل وجعله مجالا احترافيا
قد تشكله الأسئلة النقدية المتعلقة بالسلطة والتاريخ والسياسة (هال، 1992: 286).
رغم أن التعليم العالي يعد فرعا حكوميا، والمدرِّسون
يشكلون ذراع الدولة، إلا أنه يبقى على الأقل ضمن الديمقراطيات الليبرالية. أي
كموقع مناسب للدراسة النقدية. فالكتَّاب والباحثون والأساتذة داخل التعليم العالي
قد لا يكونون مثقفين عضويين بالشكل الذي يتمناه رواد الدراسات الثقافية. إلا أنهم
يحتلون موقعا يمكنهم من خلاله التحدث، وتوفير مصادر فكرية للحركات الاجتماعية
الجديدة، والمشتغلين بالصناعات والسياسات الثقافية. وإلى حد ما يمكن أن نقول أن
الدراسات الثقافية مقيدة بِمَؤْسَسَتِهَا، إلا أنها تحافظ على موقع صدارة نقدية. وبينما
تعد مجالا أكاديميا نشأ ضمن نظام جامعي، فإنها تتفلت دائما عن هذا الوثاق لتحقيق
هدفها وما ترغب فيه.
عموما يمكن فهم الدراسات الثقافية كمشروع فكري مشكل
بواسطة مجموعة متداخلة من ألعاب اللغة، ورغم أن قرائها قد يخيب أملهم في امتناعي
عن تقديم تعريف لها، إلا أنني يجب أن أدعي أن اكتشاف المفردات الحديثة لها يقترح
أن نفهمها كالآتي:
الدراسات الثقافية تهتم باستكشاف الثقافة كبناء مشكل من
المعاني والتمثيلات الناتجة عن الممارسات الدالة، والسياق الذي تم حدوثهما فيه،
كما يهتم الحقل بشكل خاص بالعلاقة بين السلطة والنتائج السياسية المتأصلة في هذه
الممارسات الثقافية. وتتمثل الأغراض الأساسية للدراسات الثقافية، كما هو مرتبط بموقعها
داخل المؤسسات الجامعية ودور النشر ومحلات بيع الكتب، بعمليات الإضاءة الفكرية
التي يمكن أن توفر أدوات فعالة للنشطاء الثقافيين والسياسيين وصناع التخطيط
السياسي.
طبعا، فأدوات الدراسات الثقافية ما هي سوى كلمات ومفاهيم،
لهذا السبب، وحسب رأيي، تكمن أهمية هذا المعجم.
ميزات المعجم
يتبع هذا المعجم الصيغة التي عليها أغلب المعاجم الأخرى، حيث يتضمن قائمة
ألفبائية للمفاهيم التي يمكن مراجعة معناها والاستعمالات المرتبطة بها داخل سياق
الدراسات الثقافية. إلا أنني أؤكد مسبقا على أن المعنى واستعمالاته المرتبطة بهذه
المصطلحات يعد علائقيا ومتموقعا ضمن شبكة من المفاهيم الأخرى. وعليه أقدم في نهاية
كل مفهوم قائمة من الأفكار المتصلة به. وسميت هذا بالروابط ‘links’ على طريقة النص الافتراضي hypertext للإشارة إلى أن
هذه المفاهيم متعددة الأبعاد ويمكن لأي أحد أن يتتبع معاني الكلمات وفق مفهوم الاختلاف
الذي أشرت إليه سابقا. وطبعا هناك حدود اعتباطية للإحالة الداخلية في القاموس وهذا
يعد نتيجة لأثر المعنى.
إضافة إلى المصطلحات المفتاحية المضمنة في هذا المعجم، قمت
كذلك بتقديم بعض الشخصيات الرئيسية للحقل، التي ساهمت في تطوير الدراسات الثقافية،
طبعا القائمة ليست شاملة، ولا أتمنى أن أضع قائمة ألفبائية للعظماء والكبار من
كتاب الحقل. ومن بين الشخصيات التي ارتبط اسمها بتطور الدراسات الثقافية (فيسك، ﮔليروي،
هال، ويليس...إلخ). بينما وفر آخرون أفكارا فلسفية هامة للدراسات الثقافية رغم
أنهم لم يسموا أعمالهم أبدا بهذا الاسم (على سبيل المثال: دريدا، فوكو، ﮔـدنز،
رورتي...إلخ).
وعند اختياري من يُضَمَّن ومن يحذف، حاولت تقديم كتاب ينتمون
إلى فضاءات وأزمنة مختلفة، ومواقف فلسفية كان لها تأثير كبير على الدراسات
الثقافية. بدلا من إعطاء قائمة شاملة، كما أنني انغمست في بعض تفضيلاتي الخاصة
وتقييدات المعرفة الخاصة بي، وأعتذر من أولئك الذي لم أدرج أسمائهم في البحث، وأريد
أن أؤكد أن العمل كان حول مناقشة التصورات والمفاهيم بدلا من الاهتمام بالشخصيات، والمصطلحات التي تم تداولها
بين المفكرين وصيغت معانيها من خلال أعمالهم. وبالتالي اخترت أن لا أحيلها إلى
موضة أكاديمية عادية بل لأزعم أنها ملكية جماعية ليست في حاجة إلى نسبتها إلى أحد.
و بالتالي فهذا المعجم مزيج أو بريكولاج من الأفكار والأمثلة
والمواضيع، التي ارتأيت أنها تشكل ما يسمى بالدراسات الثقافية. والقاموس يظهر
الطابع الاعتباطي للمفاهيم ولكنه يعتمد على الجماعة المؤولة لهذه المفاهيم، كما
يسعى إلى الإمساك بمعنى الكلمات ويدعي في الوقت نفسه أن هذا المعنى تناصي وليس
مغلقا. والتذبذب بين ما هو فردي وما هو جماعي، وما هو ثابت وما هو مائع هو ما يشكل الموضوع المفتاحي للدراسات
الثقافية.
(1) - المصطلحات و
الشخصيات الفكرية المعلمة بالخط الأسود العريض ضمن هذه المقدمة موجودة بالتفصيل
ضمن محتوى القاموس.



Commentaires
Enregistrer un commentaire